لا بديل إلا الفراغ

الخميس 2013/10/10

هناك دعاوى تتكلم باستخفاف عن إسقاط المؤسستين الشرعيتين في ليبيا وهما المؤتمر الوطني العام والحكومة المؤقتة، خاصة بعد أن رأوا كيف سقطت بسهولة سلطة فريق استولى على الوطن واستولى على الشرعية في مصر، وصار صعبا أن يخرج الناس عليه كما خرجوا على النظام السابق لثورة 25 يناير، ولكن شرعية النظام في مصر لم تسقطها إلا شرعية جديدة جلبت أكثر من 23 مليون توقيع، وأخرجت إلى الشارع أكبر حشد بشري في التاريخ.

هناك من يشير إلى تونس، ويقول إنها في سعيها إلى تشكيل حكومة ائتلاف وطني، تحل محل حكومة النهضة، الموجودة الآن في الحكم، وفي سبيلها إلى إلغاء المجلس التأسيسي لتحل محله لجنة الدستور، ونقول إنه أمر في إطار التدبير ولم نعرف نتائجه بعد، وفي كلا الحالتين المصرية والتونسية، يتوفر عنصر، غائب للأسف الشديد عن ليبيا، وهو وجود مؤسسات الدولة وأطرها ودواليب الحكومة وأجهزتها وإدارتها وهيكلتها ومؤسساتها العسكرية والأمنية، بينما يعرف الجميع- وفي مقدمتهم أهل البلاد- أنه لا وجود لكيان الدولة ولا وجود لأجهزة الحكومة، ولا وجود لجيش كامل الأهلية والجاهزية، ولا لجهاز شرطة تتوفر له شروط العمل والإنجاز من أجل حماية النظام وتنفيذ القانون. ومعنى ذلك أن التفريط في المؤتمر الوطني وفي الحكومة المؤقتة، سيعرض البلاد إلى فراغ مهول، ولذلك اقترحت في مقال سابق الإبقاء عليهما، ودعمهما بسند قوي يضمن فعالية العمل وقوته، ويرفع من درجة أدائه ويزيد من وتيرة السرعة التي توصله إلى تحقيق المهمة التي فوضه الشعب بأدائها. وكان الاقتراح يتلخص في إنشاء لجان تخصصية تستعين بها الحكومة ويستعين بها المؤتمر الوطني، اقتصادا ومالا وخارجية، أجهزة ولجان من أهل الكفاءة فيما يمكن أن نسميه استنفارا للخلايا الحية في الوطن وقوى المناعة والحصانة، لمقاومة الفيروسات التي تنتشر في جسم الوطن، وتفتك به وتصيبه بمختلف العلل، وإنقاذه من إنهاك ووهن وضعف كاد يجعله يتحول إلى أرض مستباحة. وإنه لأمر حقيقي ما يقوله الناس من عجز وقصور وتقصير تبدى في أداء المؤتمر الوطني العام، بل وعوار وانتهاكات وانحرافات، وحقيقي أيضا ما يقوله الناس عن ضعف الأداء الحكومي إلى حد غياب الدولة، بل الأنكى من ذلك وهو الدولة الفاشلة بتوصيفها الوارد في القواميس والمعاجم السياسية.

ولكن كل هذا الفشل وهذا التقصير سيكون هينا، أمام المجهول الذي يفتحه إسقاط المؤسستين الشرعيتين في البلاد، وهما وحدهما من يملك تفويضا شعبيا بالعمل باسم أهل البلاد، ولا بديل في حالة الفراغ الذي يتركانه، إلا عصابات المافيا وأهل الإجرام والبلطجة وجماعات مسلحة يدير بعضها هاربون من السجون، وبعضها من عتاة التطرف الديني، وبعضها متمسحون بالثورة من كتائب القذافي، بعد أن توارى الثوار وانسحبوا من الميدان. ثم إن مهمة هاتين المؤسستين نفسها شارفت على الانتهاء، ويجب أن نرى وتيرة سريعة للعمل تحقق إنجاز ما كان موكولا لهما إنجازه، فهي مدة لا تزيد عن نصف عام، يجب أن نرى فيها ليبيا قد دخلت المرحلة الجديدة، مرحلة الاستفتاء على الدستور وبناء المؤسسات الدائمة من برلمان وحكومة وقضاء أي السلطات الثلاث التي تقوم عليها الدولة، من تشريعية وتنفيذية وقضائية، وربما يسبق ذلك الاتفاق على نظام الحكم، إن كان الليبيون يريدونه ملكيا أو جمهوريا رئاسيا أو جمهوريا برلمانيا.

وقد أبديت رأيا في هذه الصحيفة أظهرت فيه تفضيلي لعودة النظام الملكي بأسس عصرية دستورية مثل العروش الأوروبية حيث الجالس على العرش يمثل رمزا لوحدة الوطن، يملك ولا يحكم، ودوره دور اعتباري بروتوكولي، في دولة دستورية القرار فيها لنواب الشعب والحكومة يختارها النواب ويصادق عليها الملك، وهو رأي تبرهن الأيام على أنه صار الأكثر صوابا، خاصة في ظل هذا التشرذم الذي تظهر عليه البلاد في هذه الأيام، مع وجود أصوات تدعو إلى الفيدرالية وإلى تحويل الوطن إلى حيازات وإقطاعيات، فوجب أن تكون القوة الموحدة التي سيقتنع بها الليبيون جميعا، هي العرش، وهناك كما يعرف العالم ولي عهد لهذا العرش، يقول صراحة إنه يضع نفسه في خدمة الوطن، ويرضى بما يرضي الشعب ويوافق على وجوده على رأس نظام ملكي دستوري يكون فيه الملك رمزا لا صلة له برسم السياسات، وإصدار التشريعات المخولة لممثلي الشعب فقط. ثم إن العرش السنوسي كما يشهد التاريخ، كانت له من المآثر والأمجاد ما يعطي وريثه الشرعية التاريخية التي تؤهله للحكم وتضمن له القبول.

يأتي متوافقا ومترافقا مع هذا البناء المؤسساتي لأركان الدولة بناء الجيش والشرطة، ولن يكون بناء هاتين المؤسستين مهمة مستحيلة فور مباشرة الدخول في مرحلة الثبات والديمومة، ولا بأس هنا من الاستعانة بالقوى التي ساعدت ليبيا على إحراز النصر على الطاغية وفي إطار الهيئة الأممية، ونظمها وقواعد العمل فيها مثل الخوذات الزرقاء التي يمكن أن تأتي لحفظ الأمن في المرحلة الانتقالية.

لقد كانت الأمم المتحدة هي المطية التي أعانت ليبيا على الخروج إلى عالم الحرية في مطلع الخمسينات من القرن الماضي، وليس غريبا أن تستمر في دورها الإيجابي من أجل تحقيق ولادة جديدة سليمة لليبيا الحديثة بإذن الله.


كاتب ليبي

9