لا بديل للعائلة رقيبا على الأبناء من الوقوع في محاذير مواقع التواصل

منذ دأب الأطفال على تصفح مختلف مواقع الإنترنت دون وعي منهم بمخاطر بعضها، والعديد من الآباء والأمهات لا يشغلهم سوى التفكير في سبل وقاية أبنائهم من هذا الإبحار العشوائي.
الخميس 2016/03/03
الواقع صار غير قادر على منافسة العالم الافتراضي

ساهمت موجة الانتشار السريع للأخبار عبر وسائل التواصل الاجتماعي في تعزيز خوف الآباء، لا سيما وأنها ما انفكت يوميا تتناقل أخبارا تم استقصاؤها من مختلف أنحاء العالم، ضحاياها أطفال وقع التغرير بهم عبر مواقع الإنترنت.

وتستهدف الجماعات المنظمة لـ”الجريمة الإلكترونية” الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 11 و18 عاما، حيث يعملون على استدراج الأطفال عبر ما يسمى بغرف الدردشة أو من خلال عرض المضامين والصور والفيديوهات الخليعة، أو من خلال تبادل الملفات أو التأثير على الطفل لتشغيل “الويبكام” أو إقناعه بإرسال صور تجسده في وضعيات غير لائقة.

وغالبا ما يقع استغلال هذه الصور والملفات الخاصة لابتزاز الطفل والسيطرة عليه كليا لتنفيذ كل ما يطلب منه دون أدنى اعتراض، وإن حاول التملص والرفض يهدد بنشر صوره الفاضحة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى صفحات الأقارب والأصدقاء.

وتشكل الشريحة العمرية من 13 إلى 16 سنة الفئة الأكثر وقوعا في شرك مجرمي الإنترنت، لا سيما وأن هذه الفترة من العمر تتسم بأنها فترة حرجة يمر فيها الطفل بما يعرف بسن المراهقة ويكون قابلا للانجراف نحو كل المغريات، خصوصا إذا ما كان ينتمي إلى عائلة محافظة لا تترك له متنفسا لتعبير بشكل صريح عن مشاعره.

"الجريمة الإلكترونية" تستهدف الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 11 و18 عاما

وفي هذا الصدد، تقول خديجة مفتوح، أم لثلاثة أطفال تعيش بمدينة الدار البيضاء، وهي من الناشطات في جمعية “ماتقيش ولدي” -أي لا تتحرش بابني ـ “يوميا تصلنا أخبار من مختلف وسائل الإعلام عن اختفاء طفل أو التغرير به من قبل من يفوقه سنا عبر شبكة التواصل أو من خلال مختلف مواقع الإنترنت الأخرى، وغالبا ما تطالعنا أخبار عن تعرض هؤلاء الأطفال لأفظع الجرائم كالتحرش الجنسي أو إجبارهم على المتاجرة في الممنوعات كبيع ‘حشيشة الكيف’. لذلك صرنا نخاف على أولادنا وصارت الإنترنت أو ‘جهازالويفي’ مصدر قلق الآباء والأمهات”.

ونقلا على ما قامت د. ليلى القجيري، أستاذة المعلوماتية وتحليل النظم في جامعة محمد الخامس بالرباط، بنشره مؤخرا كدليل على المخاطر المرتبطة بجرائم الإنترنت المحدقة بالطفل، قولها “تعرّف الجريمة في الإنترنت بأنها الجريمة، التي يكون الكمبيوتر موضوعا أو وسيلة أصلية لاقتراف الجرم، وتنقسم إلى قسمين: الصنف الأول يكون فيه الكمبيوتر موضوعا للجريمة، ويشمل جرائم محددة ترتبط بأجهزة الكمبيوتر أو بالشبكات. ويتعلق الأمر هنا بأعمال إجرامية ترتبط بتقنيات المعلومات والإنترنت، ويدخل في هذا الباب القرصنة المعلوماتية أو ما يعرف بالاستخدام غير المشروع للمعلوماتية، بغرض الأضرار بالغير.

وأما الصنف الثاني فيكون فيه الكمبيوتر وسيلة اقتراف الجرم. ويشمل هذا الصنف الجرائم التي ما فتئت دوائر حفظ النظام تحاربها في عالم الواقع، وهي اليوم تتصدى لها، وعلى نحو متزايد، في الفضاء الافتراضي للإنترنت سواء تعلق الأمر بالمواد الخليعة للأطفال، أو التحرّش الإجرامي أو الغش، أو خرق قانون حماية الملكية الفكرية، أو الاتجار بالمواد المحظورة”.

كما يوضح الباحث عبدالعزيز بن عثمان التويجري، المدير العام لمنظمة الإيسيسكو بالرباط، جانبا من المشكلة، في قوله “إن عدد الأطفال الذين يستخدمون الإنترنت في دولنا يتزايد يوما بعد يوم، وإنّ ما نخافه هو أن تصبح هذه الشريحة الاجتماعية فريسة سهلة، وهدفا مكشوفا لمجرمي الإنترنت، ولتيارات الانحراف الخلقي والسلوكي. كما قد يقع الأطفال ضحية للأفكار الهدامة والتعصب والحملات التي تشنها جماعات الغلوّ والتطرف، ساعية ما وسعها الجهد، إلى زعزعة استقرار المجتمعات وأمنها، وإعاقة نموها وازدهارها”.

من واجب الآباء تقديم النصح والإرشاد لأبنائهم قبل السماح لهم باستخدام الانترنت، مع ضرورة اطلاعهم على محتوى الشبكة وحظر بعض المواقع عنهم

والجدير بالذكر، أن الطفل كثيرا ما يدمن ألعابا إلكترونية مبرمجة على القتل الافتراضي للكائنات البشرية وأحيانا تحمل رسائل خفية تحاكي الهجمات الانتحارية الشائعة مؤخرا بكامل أنحاء العالم، وهذه الألعاب تغزو بكثرة شبكة الإنترنت.

ويحمل الفوز الطفل على توغل أكثر فأكثر في اللعبة الإلكترونية، للحصول على أكبر عدد ممكن من النقاط في كل مرة، مما يؤثر على سلوكه، ويدفعه إلى ترجمة ما تعلمه من عنف افتراضي على أرض الواقع، فيفقد بذلك التميز بين اللعب والواقع.

وتفاديا لوقوع الأبناء في مثل هذه المخاطر التي تحيق بهم قدم د. عبدالكريم عطا، باحث في الطب النفسي، جملة من التوصيات التي قد تساعد الآباء والأمهات على ذلك منها فتح باب الحوار مع الطفل، ومده ببعض المعلومات التي قد تساعده على كفل سلامته الشخصية.

ولا يرى عطا ضررا من تثقيف الطفل من خلال سرد قصص له تحمل نماذج عن الاستغلال الجنسي أو لفت انتباهه إلى الأضرار التي قد تطاله من تسجيل فيديو لجسده عاريا أو لصوره، وتخويفه من أن الصور والفيديوهات لا تمحى من الشبكة أبدا، ومن أنها ستشكل له مستقبلا مصدر إزعاج وخجل أمام أصدقائه وعائلته، ودعوته لضرورة احترام خصوصياته، وعدم عرضها أمام من لا تربطه بهم سوى العلاقات الافتراضية.

وتقول الباحثة الاجتماعية والنفسية، أمينة جمال، العاملة بإحدى مدارس الرباط، “من خلال خبرتي في عملي مع الأطفال بين 11 و18 عاما، وجدت أنه لا تكاد تمر أربع وعشرون ساعة دون أن تكون هناك أخطار تحدق بهذه الفئة العمرية من الأطفال، بسبب الإنترنت، ولذلك من واجب الآباء تقديم النصح والإرشاد لأبنائهم قبل السماح لهم باستخدامها، مع ضرورة اطلاعهم على محتوى الشبكة وحظر بعض المواقع عنهم”.

21