لا بد من كلمة إنصاف في حيدر العبادي

يمكن لحيدر لعبادي الذي أضاع فرصا كثيرة للانسحاب من حزب الدعوة، أن يفعلها الآن، ليقلب جميع المعادلات وسينقلب معظم العراقيين لتأييده في لحظة واحدة.
الخميس 2018/09/13
بقاء العبادي في منصبه أفضل خيار لتسهيل دخول العراق والمنطقة في عهد جديد

قبل الوصول إلى كلمة الإنصاف في حق رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، لا بد من الإشارة إلى أن أغلب العراقيين، يعتبرون حزب الدعوة، الذي ينتمي إليه، من أسوأ الكوارث التي حلت بالعراق.

ولذلك فإن انتماءه لذلك الحزب، الذي يعد نسخة شيعية طبق الأصل لجماعة الإخوان المسلمين، يكاد يكون “السيئة التي تمحو ما عداها من الحسنات”.

ويكاد يكون تجاهله للمحطات الكثيرة التي كان عليه فيها الانسحاب من حزب الدعوة طوال أربع سنوات، الغلطة التي لا يغفرها له معظم العراقيين. ولو كان قد أقدم عليها في أي مرحلة، لفجّر في قلوب العراقيين احتفالا غير مسبوق بإنهاء عهد الطائفية.

لو فعل ذلك قبل الانتخابات الأخيرة، لكان قد تفادى جميع الأوحال والفوضى، التي نشهدها حاليا، ولكان قد حقق فوزا ساحقا يدخل العراق والمنطقة في مرحلة جديدة.

لا يفهم معظم العراقيين سبب إصراره العجيب على البقاء في حزب الدعوة، رغم أنه على الطرف النقيض من رئيس الحزب نوري المالكي. وهو فعلا السقطة التي تمحو ما عداها من النجاحات، خاصة أن كتلته الانتخابية تضم عددا كبيرا من ممثلي الأطياف العراقية غير الشيعية.

لكن رغم ذلك لا بد من كلمات إنصاف في حق العبادي. وما سأقوله ربما سيثير انفعال كثير من العراقيين ومراقبي أوضاع البلد. لكني أعتقد أن من الشجاعة أن تكون منصفا.

من الإنصاف أن نقول إن العبادي تمكن من إطفاء الاحتقان الطائفي في وقت قياسي، حين كان الجميع يستبعدون إمكانية أن يحدث ذلك خلال عقود.

ينبغي أيضا أن نقول إنه أدار معركة تحرير ثلث أراضي البلاد من قبضة تنظيم داعش وأدار المعارك بتواضع ودون بطولات أو مزايدات، وجعل سكان المحافظات التي تم تحريرها يطوون آلامهم، رغم الدمار الشامل الذي حل بحياتهم ومدنهم.

يحسب للعبادي أنه أعاد الكثير من المهنية لتشكيلات الجيش وقوات الأمن والشرطة، بعد أن كانت في وضع مثير للسخرية والاشمئزاز. ولولا ذلك لانهار البلد منذ سنوات وسقط في الفوضى الشاملة.

كما يحسب له أنه أول من تململ من نفوذ إيران المدمر في العراق. وبدأ يتعامل معها بالسياقات الرسمية السيادية، وانفتح على الدول العربية وخاصة الخليجية وهو ما لم يكن يخطر ببال أحد في ظل سقوط العراق في قبضة إيران بالكامل عند استلامه للسلطة.

تمكن العبادي أيضا من إدارة أزمة مالية طاحنة، تفجرت مع استلامه للسلطة حين انهارت أسعار النفط العالمية، في ظل شلل الاقتصاد وميزانية تشغيلية فجرها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي وأصبحت تدفع رواتب لنحو 8 ملايين عراقي وهي أعلى نسبة في العالم قياسا لعدد السكان. ولولا إدارته المهنية لتلك الأزمة وتجرعه لبعض العلاجات القاسية لأفلست الدولة، رغم أن تلك العلاجات لم تكن تحظى بشعبية بين العراقيين.

لا يمكن لأحد أن يتخيل إمكانية إدارة أزمة استفتاء إقليم كردستان وما تبعها من تصعيد، بذلك الهدوء وبأقصى درجات المهنية والتواضع، ليتمكن من نزع فتيلها ويمنع انزلاقها إلى مواجهة كارثية.

ينبغي القول إن المخاض القاسي الذي نشهده اليوم في العراق، والذي يضع مستقبل النفوذ الإيراني في مفترق طرق، يمثل نقلة نوعية كبيرة للاقتراب من عهد جديد.لولا العبادي لما اقترب العراق من هذه المرحلة الحاسمة، التي ستنتهي حتما بإقصاء النفوذ الإيراني ونهاية مرحلة الطائفية، رغم المواجهات والآلام التي ستصاحبها.

ينبغي القول إن العبادي أدار كل تلك الأزمات وهو بلا رصيد يذكر، لا في البرلمان ولا في مناصب الدولة الموزعة على أتباع خصومه. ومع ذلك قاد السياسة العامة للبلد وفق سياقات الإدارة المهنية المتواضعة.

أكبر مآخذ العراقيين عليه أنه لم يحارب الفاسدين وهم يعتقدون أنها عملية سهلة يمكن أن تتم باعتقال بعض الرؤوس الكبيرة، ويتناسون أن المشكلة لا تكمن في ألف سياسي فاسد، بل في مئات آلاف الفاسدين المرتبطين بهم والذين يحتلون جميع مفاصل الدولة.

ميل العبادي للزحف ببطء شديد على معاقل الفاسدين، هو ميزته الكبرى، لأنه لو فعل ما يريده الشارع، لما تورعت الميليشيات والفاسدون عن إشعال حرب أهلية. ما يحدث الآن من تصعيد يثبت أن طهران وأتباعها في العراق مستعدون لإحراق البلد ألف مرة لإنقاذ إيران ومصالحهم المرتبطة بها. هل الهدف اتخاذ القرارات الشعبوية المتسرعة وإحراق البلد، أم الزحف بهدوء وتقويض سلطة القوى الفاسدة والميليشيات دون تدمير البلد مرة أخرى؟

من يريد إنقاذ البلد عليه أن يناور ويرقص بهدوء مع القوى القذرة لحين التمكن من إنهاء نفوذها، مثلما أن الحل لا يكمن في تفجير طائرة مخطوفة وقتل الخاطفين والركاب!

معظم المتحمسين لمعارك إقصاء العبادي، يحلمون بإنقاذ البلد، لكنهم لا يدركون أنهم يخدمون الميليشيات وبقاء نفوذ إيران حين ينساقون لتوجيه اللوم إلى العبادي لإقصائه، لأنه مصر على إكمال رحلة استعادة السيادة العراقية من قبضة إيران والتي قطع أشواطا طويلة منها على مدى 4 سنوات.

على المحتجين على هذا الكلام أن يتخيلوا ما الذي يمكن أن يفعلوه في حلبة الصراعات الطائفية القذرة لو كانوا استلموا منصبه في عام 2014 حين كانت بغداد مهددة بالسقوط.

يلوم كثير من العراقيين العبادي على أبرز مزاياه، وهي هدوءه وقدرته على المناورة مع قوى الظلام، ويريدونه أن يجرد سيفه ويدخل جميع المعارك دون حسابات لما يمكن أن تسفر عنه، مثلما حدث في بطولات المالكي وقبله صدام حسين. هل نسي العراقيون ما كانت عليه البلاد حين تسلم العبادي إدارتها؟ وهل يحتاجون لمن يذكرهم بانهيار أجهزة الدولة والتفجيرات اليومية التي كانت تقع كل يوم في أنحاء البلاد وخاصة بغداد؟

بقاء العبادي في منصبه ولو لفترة انتقالية قصيرة، هو أفضل خيار لتسهيل دخول العراق والمنطقة في عهد جديد، خاصة أن نظام إيران يقترب من طريق مسدود.

يمكن للعبادي الذي أضاع فرصا كثيرة للانسحاب من حزب الدعوة، أن يفعلها الآن، وأعتقد أن هذه الخطوة ستقلب جميع المعادلات. وسوف ينقلب معظم العراقيين لتأييده في لحظة واحدة، خاصة أن الكثير من الكتل، مثل سائرون والوطنية وكتل أخرى، تنتظر منه ذلك.

ماذا تنتظر يا حيدر العبادي؟

8