"لا بيرحموا ولا بيتركوا الرحمة تنزل"

الخميس 2016/02/11

لم يسبق أن فُرضت أي رسوم على استخراج وثيقة السجل العدلي في لبنان طيلة تاريخ الجمهورية اللبنانية إلى أن تولى فؤاد السنيورة مقاليد وزارة المال في عهد حكومة الراحل رفيق الحريري في تسعينات القرن الماضي. وفؤاد السنيورة هذا مشهود له بالابتكار والتفنن، بل واجتراح طرق وأساليب في فرض الرسوم والضرائب. لذلك فإن قوى النظام اللبناني المسيطرة تجد فيه ركنا أساسيا من أركان نظامها، حتى لو أشهر البعض منها له العداء أمام قواعده الشعبية.

في تلك المرحلة من تولي فؤاد السنيورة دفة المالية، حصل أن كنت في حاجة لاستخراج سجل عدلي لاستكمال معاملة معينة. رافقني أحد أصدقائي إلى المركز المعني حيث تقدمت بطلبي ذاك. فطلب مني الموظف الانتظار هنيهة ريثما يجهز المستند. في هذه الأثناء، وبينما كنا ننتظر جانبا، لمعت في ذهني فكرة سرعان ما قلتها لصديقي: كيف لم يتنبّه فؤاد السنيورة حتى الآن ولم يفرض رسما على السجل العدلي؟ فأجابني: هس! سيسمعك ويفعل. لم تمض بضعة أشهر حتى فرض السنيورة، وزير المال، رسم الطابع على السجل العدلي.

شهدت سنة 2008 ارتفاعا كبيرا لأسعار القمح العالمية. تلى ذلك في لبنان تخفيض لزنة ربطة الخبز بشكل متتال من 1500 غرام، وصولا إلى 900 غرام، مترافقا مع ارتفاع أسعار المحروقات نظرا لارتفاع أسعار النفط عالميا في المرحلة اللاحقة.

ثم تراجعت أسعار القمح، دون أن تستعيد ربطة الخبز شيئا من وزنها. ثم انهارت أسعار النفط، ولم يشعر القيمون على الاقتصاد اللبناني وعلى لقمة عيش المواطن. ولكن أخيرا، وبعد ارتفاع الصوت، قرر وزير الاقتصاد زيادة وزن ربطة الخبز خمسين غراما، طبعا “حتة واحدة” حرصا على صحة المواطنين.

صحيح أن السنيورة نفسه اليوم ليس وزيرا. بل رئيس لكتلة تيار المستقبل في برلمان النظام، ولكنه أول من اقترح منذ أيام فرض ضريبة إضافية على صفيحة البنزين بقيمة خمسة آلاف ليرة لبنانية، وإذ بأطراف النظام، من سياسيين ووزراء ونواب، يتبنون هذا الطرح ويعلنون تأييدهم له. وحتى تتشجع الحكومة على اتخاذ قرار بمثل هذه الخطورة، أدلى رئيس برلمان النظام نبيه بري، بموقفه مؤخرا معلنا قبوله بفرض تلك الضريبة “على ألا تصل إلى الخمسة آلاف ليرة” نظرا لانهيار أسعار النفط العالمية.

هكذا تتوحد أطراف نظام ائتلاف المافيات المسيطر. تختفي كل خلافاتهم التي منعت انعقاد الحكومة، والتي منعت انعقاد مجلس النواب، والتي منعت انتخاب رئيس للجمهورية، والتي رفعت بين اللبنانيين الحواجز الطائفية والمذهبية والمناطقية، والتي راكمت الآلاف الأطنان من النفايات في الشوارع والساحات وتحت الجسور وفي الأودية ومجاري المياه.

فعندما يتعلق الأمر بتمويل عمليات النهب والفساد يتوحدون. وحيث يرفع الناس الصوت مطالبين بأبسط حقوقهم يتوحدون في وجوههم.

خمس سنوات من المطالبة بإقرار سلسلة الرتب والرواتب لتحسين ظروف معيشة الموظفين والأجراء والعسكريين. سلسلة طويلة من الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات. لم يرف لسلطة المافيات جفن. لم تتغير رواتب الموظفين والعسكريين والأجراء منذ عشرين سنة. عشرون سنة تضاعفت فيها أسعار السلع والخدمات مرات ومرات. واليوم، لن تجد، من رجال السلطة من يعتبر أن هناك ضرورة لإقرار تلك السلسلة.

نعم، انخفضت أسعار المحروقات بسبب انهيار أسعار النفط عالميا. هذا الانخفاض الذي أراح الناس وخصوصا في هذا الشتاء القارس، منع ثورة. لم يكن مكرمة من سلطة أمعنت جورا، ولكن لظرف خارج عن إرادتها. وهنا ينطبق المثل العامي “لا بيرحموا ولا بيخلوا الرحمة تنزل عالناس”. انخفضت أسعار المحروقات، استفاد الناس وتنفسوا قليلا. طبعا حصل وفر كبير لدى الدولة التي تستهلك أيضا المحروقات بكميات كبيرة. لم نطالب الدولة، أو الحكومة بالمزيد من “العطاءات” كون تكاليفها على الطاقة انخفضت بما يقارب ثلاثة آلاف مليار ليرة. ولم يسأل أحد الحكومة، والقوى التي تعبر عنها، أين ستذهبون بملياراتنا هذه كلها؟ يزعمون أن الضريبة المطلوبة لسد عجز الموازنة، عن أيّ موازنة يتحدثون؟ تلك التي لم يدرسوها أو يقرأها منذ إثني عشر عاما؟ أين قطع الحساب الذي يحدد المدخولات والمصروفات؟ إثنا عشر عاما لم يجر إقرار ميزانية للدولة فيما لم يعرف أحد عن عملية قطع حساب منذ سنة 1996.

في الواقع، فإن نظام سيطرة ائتلاف المافيات التابعة الغاصبة للسلطة في لبنان والذي يفتقد لأي شرعية، لم يجد بعد القوة السياسية التي يمكنها مراكمة حراك الشارع وتوجيهه بالاتجاه الذي يهدد سيطرته. فقد شهدت الأيام والأشهر الأخيرة تراجعا ملحوظا في حركة الشارع إلى درجة الاضمحلال. فهل يشجع ذلك قوى السلطة على المضي قدما في فرض الضريبة المقترحة على البنزين؟ وكيف ستكون ردة فعل الشارع المتحفز أصلا؟

كاتب لبناني

9