لا تاريخ كبيرا للموسيقى لولا العلماء والفلاسفة العرب

الموسيقى كما نعرفها الآن، فن له خصائصه الثقافية والترفيهية، ولكنها لم تكن على هذا النحو عند الإنسان البدائي أو إنسان ما بعد البداوة، وأيضا الإنسان الذي وصل إلى مرتبة متقدمة من الرقي الحضاري، ولكنها كانت بالدرجة الأولى أحد الأنشطة الإنسانية المتميزة التي يمارسها البشر في أي زمان ومكان ولها وظائفها الاجتماعية والطقوسية المختلفة تماما عن الهدف الترفيهي أو الثقافي الذي يدركه الإنسان المعاصر.
السبت 2017/06/17
العود ترنيمة عربية خالصة (لوحة للمستشرق لودفيج دوتش)

يسلط الباحث المصري فتحي الصنفاوي في كتاب “الآلات الموسيقية والإنسان.. الزمان والمكان” الضوء على الدور الذي لعبه العلماء والموسيقيون العرب قديما في تطور الموسيقى العالمية، وإسهاماتهم المختلفة في الدراسات المتعلقة بالتدوين الموسيقي، هذه الإسهامات التي قادت البشرية في ما بعد إلى الوصول إلى اكتشاف التدوين الموسيقي كما نعرفه اليوم، ما حافظ على التراث الموسيقي للبشرية من الضياع والاندثار.

أداة تواصل

يذكر الكتاب الصادر حديثا عن المجلس الأعلى للثقافة في القاهرة في جزأين أنه إلى حدود بداية القرن الرابع الميلادي، حين ظهر التدوين الموسيقي لأول مرة، لم يكن بمقدور الموسيقيين نقل معزوفاتهم إلى الأجيال اللاحقة، إذ لم تكن هناك أي وسيلة أو أي نوع من أنواع التدوين والتسجيل يستطيع من خلالها الناس نقل الصوت المسموع إلى أي مكان وزمان.

يتتبع المؤلف مراحل التطور التي مرت بها الموسيقى والآلات الموسيقية منذ عصور ما قبل التاريخ حتى عصرنا الحاضر، وكيف بدأ الإنسان يدرك أنه أصبح يمارس نشاطا خاصا ولونا متميزا من الإبداع بشكل متعمد، بعيدا عن الصدفة والتلقائية والعفوية، وكيف بدأت تلك الحرفة تصبح فنا له أصوله وتقاليده وقواعده.

وفي البداية يؤكد الباحث أن الموسيقى “لم تكن عند الإنسان البدائي والبسيط في أول الأمر وسيلة للترفيه، ولم تكن كذلك أداة للسماع والتذوق أو التعبير عما يجيش في نفسه من العواطف والأحاسيس الإنسانية المختلفة، إنما كانت لها وظائف أخرى تختلف عن وظائفها المعروفة الآن في حياتنا المعاصرة، فقد استخدمت الأصوات كوسيلة للاتصال وأداة أساسية لنقل التعليمات والأخبار والإشارات والرسائل عبر المسافات القريبة والبعيدة، خاصة بين الوديان والجبال والمناطق التي يصعب فيها التنقل، كما كانت جزءا رئيسا في الطقوس الدينية لمختلف المعتقدات البدائية”.

وكانت آلات الطرق الحجرية والمعدنية هي أولى الآلات التي تم ابتكارها، وعندما اتسعت مدارك الإنسان ووصل إلى مشارف التحضر توصل إلى معرفة الأدوات والآلات التي استخدم فيها طريقة النفخ، ثم الآلات الوترية “التي مثلت نهاية المطاف في حقل ابتكار الإنسان وصنعه للآلات الموسيقية في مختلف الحضارات القديمة”.

ولم يتفق المؤرخون على الأصل الذي انحدرت منه الآلات الوترية ذات القوس، فبعضهم يعتبر أنها من أصل أوروبي ومنحدرة من الربابات البدائية التي عرفتها شعوب وبرابرة شمال غرب أوروبا، بينما يؤكد آخرون أن فكرة استخراج الصوت بواسطة حك الأوتار بقوس مشدود عليه خصلة من شعر ذيل الحصان أو خلافه، هي فكرة واردة من شبه الجزيرة الهندية في جنوب شرق آسيا، وانتقلت بعد ذلك إلى الفرس ثم الأتراك والعرب من المحيط إلى الخليج، ومنه إلى أوروبا تحت أسماء كثيرة منها “رباب” و”ريباب” و”ريبيك” وغيرها.

اكتشاف تاريخ العرب عن طريق الموسيقى

أفضال عربية

يرى الباحث فتحي الصنفاوي أن للعرب فضلا في تطوير وإحياء آلات القوس مرحليا، إذ أنهم عرفوا هذا النوع من الآلات خلال القرون الميلادية الأولى، وانتقلت هذه الربابات بعد ذلك إلى الأندلس وجزيرة صقلية، ثم بدأت تظهر في أوروبا بشكل ثابت في القرن الحادي عشر.

ويقول في كتابه “ومنذ ذلك الحين بدأت أوروبا وبخاصة الدول المجاورة للأندلس والبلقان في صنع ربابات مشابهة للربابات العربية، أطلق على هذه الآلات أسماء متعددة منها ‘روبيب’، و’روبيلا’، و’رُبيكا’، وما إن جاء القرن الرابع عشر حتى عمت هذه الآلات جميع أجزاء أوروبا شيئا فشيئا، وبدأت في التطور حتى أخذت أشكالها التي هي عليها الآن، من الكمان إلى التشيلو والكنترباص، وهي تعد عماد التأليف والموسيقى الأوركسترالية الغربية”.

ويذهب الباحث إلى أن لفلاسفة وعلماء العرب والمسلمين لهم دورهم المهم، ليس على مستوى الثقافة والفنون العربية فقط، وإنما أيضا على مستوى أوروبا والموسيقى العالمية بشكل عام، فكانت لهم في ذلك مؤلفات وكتب عظيمة، ودراسات وافية في السلالم الموسيقية وكيفية ضبط الأوتار.

ومن بين هؤلاء على سبيل المثال الفيلسوف والعلامة العربي أبو يوسف يعقوب الكندي، وكذلك أبو نصر الفارابي صاحب كتاب “الموسقى الكبير” الغني عن التعريف، وما فيه من دراسات رائعة عن الموسيقى وآلة العود وأهميتها وكيفية ضبط أوتارها ودساتينها.

وبين هؤلاء أيضا الفيلسوف أبو علي الحسن ابن سينا، الذي استخدم آلة العود كتطبيق لنظرياته الموسيقية، والتي ضمنها في كتابيه “الشفاء” و”النجاة”، وفيهما اختص العود ببحوث مركزة، إذ كانت آلة العود واحدة من أهم الآلات التي استحوذت على اهتمام الباحثين في الغناء والموسيقى العربية، لما للعرب من فضل في تطويرها، ولتأثيرها كذلك على تطور آلات أخرى شبيهة بها تم استخدامها في الغرب.

وكانت لعازفي العود على وجه الخصوص مكانة رفيعة في المجتمع العربي، وذاع صيت بعضهم، وتناقلت أخبارهم كتب التراث، ويورد الكاتب أسماء عدد من أشهر هؤلاء العازفين في العصر العباسي، ومن بينهم منصور زلزل، وإسحاق الموصلي، وكذلك أبو الحسن علي بن نافع الملقب بـ”زرياب”، الذي حمل لواء الغناء العربي في دولة العباسيين والأمويين في المشرق والأمويين في المغرب العربي، حين رحل عن بغداد وهاجر إلى قرطبة في الأندلس، حيث لمع وأصبح شيخ الموسيقيين.

فتحي الصنفاوي يتتبع مراحل التطور التي مرت بها الموسيقى وآلاتها منذ عصور ما قبل التاريخ حتى عصرنا الحاضر

ويعود فضل زرياب كما يقول الباحث المصري فتحي الصنفاوي في كتابه “الآلات الموسيقية والإنسان.. الزمان والمكان” إلى تحسينه صناعة العود وإضافة الوتر الخامس له واستخدامه لقوادم ريش النسر بدلا من الريشة الخشبية أو الجلدية.

ولم يقتصر الأمر على إجادة العزف فقط، بل كان لعلماء العرب فضل كذلك في الاهتداء إلى طريقة لتدوين الموسيقى، تسمى التدوين الجدولي، أو ما يعرف اليوم بـ”التابلاتورا”، التي أوضحها وبينها صفي الدين الأرموي، وهي الطريقة التي تعمل على تحديد مواضع العفق بالأصابع على آلة العود، وعُني بهذه الطريقة البسيطة في التدوين كل من الكندي والفارابي وابن سينا وحددوا فيها مواضع “الدساتين”، وهي الخطوط المرسومة أو المعدنية التي توضع على رقبة الآلات الوترية لتحديد مكان وضع الأصابع تحديدا دقيقا للحصول على الدرجات الصوتية الموسيقية بدقة، ويُعمل بها حتى اليوم، ولم تكن أوروبا قد عرفتها بعد، بل أخذتها عنهم ونفذتها عمليا بعد ذلك بمدة طويلة.

17