لا تتركوا يوسف وحيدا

الأحد 2017/05/28

يطلب الكثير من التونسيين المبتهجين هذه الأيام بأن يشدوا أزر رئيس الحكومة يوسف الشاهد في الحرب التي أعلنها بقوة ضد الفساد وضد رؤوس كبيرة ظلت حتى وقت قريب مرهوبة الجانب. فمع كل الدعم الذي يلقاه الشاهد في حربه المعلنة وعلى حين غرة ضد الفساد، فإن كل الفضول معلق على ما ستتمخض عنه هذه المواجهة الحارقة.

لقد بدأت تونس فيما يبدو “أم المعارك” المؤجلة منذ سبع سنوات بعد تردّد طويل استنزف سبع حكومات، طوال فترة الانتقال السياسي.

لكن اليوم انتهى اللغط والمزايدات السياسية وبدأت الحرب الحقيقية، هي حرب وجود بالنسبة إلى الدولة وكيانها ومؤسساتها. غير أن هناك سؤالا محوريا يراود غالبية المتطلعين إلى هذه الحرب، وهو إلى أيّ مدى يمكن أن تمضي الدولة في هذه المواجهة المعقدة، وهي التي لا تقل استنزافا عن حرب الإرهاب التي تخوضها على الجبهة الثانية، بل إن الحربين، في كثير من الأحيان، في تقاطع أصبح معلوما للكل.

تريد الحكومة من وراء تحركها أن تضرب أكثر من عصفور بحجر واحد، فالتزامن بين الاحتجاجات العنيفة التي تضرب الجنوب على مقربة من معاقل أنشطة التهريب، أمر لم يكن اعتباطيا. فالحكومة تدرك أن معركتها مع بارونات التهريب ستكون حاسمة في باقي مواجهاتها مع الفساد والإرهاب.

من الجيد أن تكون انطلاقة الحكومة في توقيت كهذا. فلقد منح قانون الطوارئ الساري في البلاد منذ 2015 هامشا أوسع ليوسف الشاهد من أجل السرعة في التحرك وتوجيه ضربات مركزة لرؤوس الفساد، دون اللجوء إلى الآليات القضائية المستنزفة للوقت. ولكن هذه الخطوة قد تطرح مشكلة لاحقا مع انقضاء حالة الطوارئ الممدة حتى منتصف يونيو مبدئيا.

صحيح أن خطوة الشاهد غير المتوقعة قلبت الطاولة على الكثير من الأحزاب التي أسقط في أيديها، بمجرد سحبه لواء المعركة ضد الفساد من تحت أقدامها، ولكن الشاهد سيصطدم، دون شك في هذا الدرب، بالكثير من الجوقات المتلونة والمتسترة بعباءات القضاء المستقل.

إن جزءا من المعركة التي تخوضها السلطة يتوقف على مدى نجاحها في تجريد الفساد من غطائه المتشعب داخل المجتمع المدني والإعلام والأحزاب والإدارة وفي كل مرتع خصب للانتهازيين.

لقد حان الوقت بالفعل لأن تنجو الديمقراطية الناشئة بنفسها بدل الارتداد إلى دولة مافيا.

منذ 2011 وعلى مدى سنوات أهدرت الكثير من موارد تونس دون أن تنجح الحكومات المتعاقبة في إحداث أيّ تغيير يذكر على الأرض، إن كان في البنية التحتية ومشروعات التنمية في المناطق الداخلية المنتفضة ضد النظام السابق، أو في مستوى معيشة الناس على الرغم من الزيادات الملحوظة في الأجور.

الصورة عموما ليست كلها وردية من وراء الانتقال السياسي، فقد تراجع تصنيف تونس بحسب تقرير منظمة الشفافية الدولية لمؤشر مدركات الفساد، إلى المركز 75 عام 2016 بعد أن كانت في المركز 59 عام 2010 قبل أحداث الثورة.

تخسر تونس بحسب الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد سنويا ما يناهز 1.8 مليار دولار بسبب عمليات التهريب والاختلاس، فضلا عن خسائر تقدّر بمئات الملايين من الدولارات في مجال الصفقات العمومية وتشعب “الفساد الصغير” (الرشاوى بشكل خاص). وإلى جانب ذلك تعترف الهيئة بتورط مسؤولين كبار في دوائر الحكم في الفساد.

مع ذلك لقيت تونس، وما زالت، الإشادة الدولية والهبات والمعونات والقروض الميسرة من مؤسسات المال الدولية وشركائها، نظير انتقالها السياسي وفي مقابل التوافق الذي جنب البلاد ومؤسسات الدولة الفوضى والانهيار المهدد للمنطقة.

ولكن الانتقال السياسي ومع كل المزايا المرتبطة بالحريات العامة، فإنه بقي حتى اليوم هشا و أجوف وغير ذي معنى في ظلّ تمدد الفساد وزيادة الإثراء غير المفهوم لفئات واسعة من الانتهازيين مقابل الإمعان في إفقار مستمر لقطاعات واسعة من المسحوقين.

لا يمكن التغاضي عن حالة الارتخاء وضعف الدولة وتهاوي الرقابة التي رافقت مرحلة الانتقال السياسي. كانت تلك فرصة مواتية بلا ريب ليمعن الفاسدون في فسادهم وليبقي الكثير من رجال الأعمال رؤوسهم في الرمل، بمنأى عن أيّ التزامات وطنية في إعادة البناء، إلا ما رحم ربي.

اليوم الدولة في تونس، حماية لنفسها من السقوط، أمام فرصة قد لا تتكرر لأن تفرض مصالحتها الاقتصادية بالمقاس الذي تريده وبمنأى عن أيّ ضغوط ومقايضة، وبشروط ترقى إلى تطلعات الشعب وتريح بذلك الغوغائيين من الركوب على اللحظة الفارقة.

ربما منحت هذه المعركة قبلة الحياة لحكومة الوحدة الوطنية خاصة بعد ضربة الاحتجاجات في الجنوب، ولكن بعيدا عن حماسة الشاهد وإرادة السلطة، وما إذا كان ذلك مرتبطا بحسابات سياسية أم لا، فإن هذه المعركة تحتاج بلا شك إلى جهود وطاقات وموارد، وإرادة جماعية شعبية.

فهذه الحرب تكاد تحتاج في ذات الوقت إلى ثورة ثقافية مضادة للفساد تشترك فيها القاعدة والسلطة وقادة الرأي. فمن غير ثورة ثقافية ستبقى معركة الفساد مجرّد حرث في البحر.

كاتب تونسي

2