لا تتعجب إذا صادفت أبطال القصص يهرولون في شارعك

المجموعة القصصية الأخيرة للكاتب المصري حسن الجندي "ضريح عمرو بن الجن" تمثل واقعا أكثر رعبا من الخيال.
الثلاثاء 2018/04/24
شخصيات مخيفة من شوارع مصر (لوحة للفنان عبيدة فايد)

تعيدنا المجموعة القصصية “ضريح عمرو بن الجن” للكاتب حسن الجندي إلى أجواء سلسلة “ما وراء الطبيعة” للعراب الراحل خالد توفيق، رغم أنها تكبرها قليلا، إذ تتكون من 5 قصص قصيرة هي بالترتيب “المستشفى، خالتي لا تكتب قصص الرعب، نفير الحرب، في وادي المستضعفين، ضريح عمرو بن الجن”.

وجميعها تنتمي إلى أدب الرعب لكن الخيط الواصل بينها الميل إلى وضع الأحداث في إطار واقعي رغم ما هو معروف عن قصص الرعب من أنها تجذب القارئ بفضل أنها تدخله في عالم الخيال.

قصص واقعية

حضرت في مجموعة الجندي النزعة الواقعية في قصة “المستشفى” في نموذج مستوصف “الصفا” الذي يعد مثالًا حيًا للكثير من الوحدات الصحية ضعيفة الإمكانات في المناطق الفقيرة في عالمنا العربي.

 

قرأت المجموعة القصصية الأخيرة للكاتب المصري حسن الجندي بعد أيام من وفاة الأديب أحمد خالد توفيق، فلم أستطع إبعاد ذكرى الأخير عن ذهني طيلة أحداث حكايات المجموعة القصصية التي أطلق عليها اسم “ضريح عمرو بن الجن”، وبناء عليه راحت المقارنات تنساب طواعية إلى تفكيري، فرغم وجود تباين واضح بين الكاتبين في عدة مسائل، نجد أن تقاربها في الوقت ذاته اتضح في نقاط أخرى.

وفي قصة “خالتي لا تكتب قصص الرعب”، انطلق مبدأ الواقعية من نموذج الأم العربية التي تستخدم حكايات الرعب للسيطرة على أطفالها وإخضاعهم لأوامرها،  أما في “نفير الحرب” فاستمدت الواقعية قوتها من الحديث عن مغامرات علماء الآثار في أروقة الحضارة المصرية القديمة، تلك المادة التي جذبت جمهورا من مختلف أنحاء العالم.

 وفي قصة “في وادي المستضعفين”، وهي القصة الرابعة في المجموعة، اعتمد الكاتب على أحد المعالم الجغرافية للعاصمة المصرية القاهرة، وهو جبل المقطم، الذي يكتنفه الكثير من الغموض استدعى أحاديث عن الجن من أهالي المناطق المحيطة به، حتى وإن كان معظمها مختلقا. أما القصة الأخيرة وبطلة المجموعة “ضريح عمرو بن الجن”، فقد تجاوزت قريناتها في الاقتراب من الواقعية، فالكاتب بدأها بمقدمة أكد فيها أن أحداث هذه القصة بالتحديد هي ما سردته قصاصات ورقية بأحجام مختلفة ومكتوبة بخط اليد، وصلت إلى منزله عام 2009، من شخص ادعى أنه صديقه، قرر أن يوافيه بتفاصيل رحلته إلى ضريح في منطقة الواحات بصحراء مصر الغربية. ولم يفكر حسن الجندي في نشرها وتحويلها إلى عمل أدبي سوى قبل عامين فقط أي عام 2016، حينما عثر على الأوراق ذاتها بينما كان يرتب غرفته.

نجد أن الواقعية تكاد تسيطر على جميع مكونات قصة “ضريح عمرو بن الجن”، فلم يدع الكاتب مجالا للخيال سوى في احتمال أن يكون من أرسل له الأوراق التي تسرد تلك الحكاية المثيرة مجرد صديق أراد المزاح معه، وهو ما عبر عنه الكاتب بعبارة زيّنت الغلاف الخلفي للكتاب، قال فيها “إلى من دفن في هذا الضريح.. لكم أتمنى أن تكون مجرد خيال..”.

نجح حسن الجندي، خلال مشواره الأدبي القصير نسبيًا، في أن يجذب جمهورًا لا بأس به من الشباب، الذي يعتبر جزء كبير منهم، من الجمهور الذي عشق روايات الرعب والإثارة التي أبدعها أحمد خالد توفيق في بداية مشواره الحافل، ورأى في حسن الجندي امتدادًا لمسيرة توفيق في هذا النوع تحديدا من القصص والروايات.

أدب الرعب

عندما رحل خالد توفيق عن عالمنا مؤخرا، تأسف عشاقه في مختلف أنحاء الوطن العربي حزنا على فقدان قيمة ثقافية حوّلت مسار اهتمامات الكثير من الشباب في بداية التسعينات من القرن الماضي، من مجرد متابعة أحدث الأشرطة الغنائية والأفلام السنيمائية، إلى نوع أكثر عمقا من الترفيه، جذبهم إلى عالم القراءة، الذي كانت سلسلة ما وراء الطبيعة بوابته جذابة الشكل، سرعان ما دخل منها جيل جديد إلى عالم أكثر رحابة.

الخيط الواصل بين قصص المجموعة هو الأحداث الواقعية رغم ما عرف عن قصص الرعب من ميلها إلى الخيال
الخيط الواصل بين قصص المجموعة هو الأحداث الواقعية رغم ما عرف عن قصص الرعب من ميلها إلى الخيال

في المقابل، تعالت أصوات فريق آخر انتهج مبدأ “خالف تُعرف”، قال إن عشاق توفيق من الشباب السطحيين ذوي الثقافة الضحلة التي لم تغص في أعماق كبار الكتاب والفلاسفة العرب والعالميين من مختلف العصور، وانبهروا بروايات كتبت بلغة مثيرة تهدف إلى الانتشار التجاري فقط، لكنها افتقرت إلى المضمون الثري.

لن نهدر الكثير من الوقت وحبر الطابعات في دحض آراء فريق “خالف تعرف”، لكن يكفي خالد توفيق شرفًا أنه قبل أن ينتقل إلى العالم الآخر حقق أمنيته في أن “يجعل الشباب يقرأون”. وأنا أقول له إنك تجاوزت حلمك بأن جعلت أيضًا “شباب الكتاب يكتبون” ما يمكنه أن يواصل المسيرة في الهدف الأسمى، هدف جذب الشباب إلى حرم القراءة والثقافة، في وقت أصبحت مهمة الكُتّاب أصعب.

وأصبحت القراءة في أعين أغلب الشباب نشاطا رتيبًا، متعته إن وجدت لا تقارن بمتعة ممارسة الألعاب على إكس بوكس أو بلايستيشن، وحتى الكثير من طلاب المعرفة منهم يجدون في صفحات الإنترنت ضالتهم.ما يجعلني أضع أملا كبيرا على حسن الجندي، ومن على شاكلته من الكُتّاب، لأنه عرف من أين يدخل إلى الشباب المصريين والعرب، فأدب الرعب له قبول واسع بفضل جهود عظيمة سابقة، لكن الجندي أمسك بمفاتيح قلوب شباب هذا العصر برشاقة الأسلوب واللجوء إلى خفة الظل بين السطور التي تسرد في الأساس مشهدًا مرعبًا مثيرًا يقدمان مزيجًا عذب المذاق للقراءة.

ومنحت القصة الرابعة من المجموعة، وهي “في وادي المستضعفين”، مثالا حيا على مدى المتعة التي تعطيها القراءة وتصبح منافسا لغيرها من وسائل الترفيه والمعرفة. فواقعية الأحداث أدخلتني في أجواء سينمائية لفيلم مصري مُتقن الحبكة، كما جذبتني سرعة الأحداث وإثارتها.

وهنا تكمن القيمة التي أضافها الجندي لأدب الرعب في مجموعته القصصية الأخيرة، وهي الواقعية التي أسهمت في المزيد من دمج القارئ في الأحداث، حتى يشعر بأنه لن يتعجب إذا صادف بطل الرواية يركض في أحد شوارع منطقته، أو أن يكون نفسه أحد أبطال القصة.

لهذا استطاع الجندي أن يجعل الواقع أكثر رعبًا من خيال يجده في مخلوقات غريبة تليق بأن تكون أبطالا لأفلام أجنبية لا عربية تعبر عنه.

14