لا تجادل يا أخي

للأطفال الحق في التعبير عن أرائهم وطرح وجهات نظرهم بما يكفل لهم مساحات واسعة من حرية الرأي والتعبير عن ذواتهم، وبما يضمن لهم حياة معرفية سليمة مليئة بنقاشات ثرية تزودهم بمعلومات، وتكشف لهم أن المجادلة حق إنساني.
الاثنين 2018/08/13
الالتجاء للشبكة العنكبوتية بحثا عن اجابات

"لا تجادل يا أخ علي لا تجادل"، جملة شهيرة جاءت على لسان الفنان رياض الخولي في فيلم طيور الظلام ردا على أسئلة بطل الفيلم، النجم عادل إمام الكثيرة، والفيلم في مجمله كان يناقش قضية الإرهاب واستحواذ جماعة الإخوان المسلمين على مفاصل النقابات المهنية ومحاولة السيطرة على مراكز صنع القرار والتسلل ببطء إلى قلب المجتمع المصري، فترة حظرها.

أصبحت هذه الجملة دستورا بين الشباب، فلا تكاد تخلو جلسة شبابية من التندر بها، ولكن لا مشكل من هذا الاستخدام الهزلي للجملة في حدود المزاح المباح.

لكن مكمن الأزمة الحقيقية في استخدام الأسر لها وتطبيقها تطبيقا عمليا، فالكثير من الأسر لا تتقبل نقاشات أبنائها، أو أسئلتهم المحرجة أو تلك التي تدخل الأسر في مسائل جدلية أو منطقة شائكة، بزعم أنها تفتح بابا للجدل لا طائل منه، مدعية أن هذا الجدال يضيع الوقت والجهد ويدخل الأبناء في مناطق محظورة ويقودهم إلى تخطي خطوط حمراء لا ينبغي الوصول إليها.

صديقتي التي بلغت ابنتها مرحلة المراهقة ترفض أسئلتها المحرجة بشكل قاطع ونهائي، ودائما تردد على مسامع الفتاة لا تجادلي معي كثيرا، نفذي أوامري وحسب، وحين تزداد وتيرة أسئلة الفتاة في قضايا قد تكون هامة جدا لديها ومنها ما هو وجودي، أو يناقش مسائل فلسفية، ترفع صديقتي راية الحفاظ على الدين وتستتر خلف مقولتها الشهيرة “إذا غضب الله على قوم ابتلاهم بالجدل”، ولا يمارس الأب دورا توعويا تجاه ابنته بل ينتهج نفس نهج الأم التهميشي لعقلية الابنة، حتى أن الفتاة أصبحت تتجنب الحديث إلى أسرتها وتمكث بالساعات في غرفتها وحيدة، لا تختلط بأحد إلا في أضيق الحدود.

 أصبحت إنسانة انطوائية بامتياز وتستقي معلوماتها من شبكة المعلومات التي تعج بالغث أكثر من الثمين، ودائما ما تجد الفتاة ضالتها في صديقاتها اللاتي هن بالطبع ينافسنها في نفس الدرجة من عدم اكتمال الوعي المعرفي والنضوج العاصم لهن من الخطأ، ويتجهن إلى سلوكيات وممارسات خاطئة قد تؤدي بهن إلى مشكلات كبيرة، كل هذا فقط لأن الأسر والعائلات ترفض القيام بدورها في إتاحة المجال للأطفال والشباب في ممارسة حق الجدل وتبصيرهم بأهمية السؤال الذي يقود صاحبه إلى المعرفة والحصول على المعلومة الصحيحة عوضا عن البحث في مصادر ضبابية تشوش تفكيرهم وتدفعهم إلى ارتكاب حماقات.

ويتكرر المشهد في المدارس، فلا مجال للنقاش بين المدرس والطالب في أي قضايا بعيدا عن المناهج الدراسية، حيث يسابق المدرس الزمن للانتهاء من المنهج ولا وقت لديه للنقاش كما لا وقت للأنشطة التربوية والفلسفية، وتعتمد الدراسة على التلقين والحفظ بعيدا عن المناقشات الجادة، ومن ثم اختفى المدرس الأب والمدرسة الأم.

للأطفال الحق في التعبير عن أرائهم وطرح وجهات نظرهم بما يكفل لهم مساحات واسعة من حرية الرأي والتعبير عن ذواتهم، وبما يضمن لهم حياة معرفية سليمة مليئة بنقاشات ثرية تزودهم بمعلومات، وتكشف لهم أن المجادلة حق إنساني.

مما لا شك فيه أن التطور التكنولوجي لا يعفي الدول والأفراد والأسر من الحرص على التقدم البشري أيضا وتطوير القدرة المعرفية للإنسان، فإذا ما سلمنا بالحقيقة الراسخة بأن الفرد هو نواة المجتمع المتحضر الأولى ولبنته الأساسية، لأدركنا الغاية العظيمة من النقاشات الجادة المثمرة والكاشفة للكثير من الحقائق والداعمة لتنمية الفكر الاستكشافي لدى الأجيال الحديثة.

اتركوا مساحات واسعة للنشء والأبناء من حق الجدل والنقاش وطرح وجهات النظر المختلفة المتباينة، فربما نفضت تلك النقاشات الغبار عن مواهب مدفونة أو قدرات خاصة مميزة ضاعت وسط التيه والإهمال.

21