لا تحاوروا.. بل تظاهروا

الأربعاء 2016/02/03

في الوقت الذي تتوجه أنظار المراقبين إلى جنيف لمتابعة مجريات “المباحثات” التي دعى إليها الممثل الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة ستافان دي ميستورا كلا من ممثلي النظام الأسدي والمعارضة السورية، لا تزال المناطق الخارجة عن سيطرة العصابة الأسدية وحلفائها تشهد أعنف موجة من القصف والتدمير، ولا تزال مناطق عديدة تعاني الحصار التجويعي على أيدي قوى النظام وحزب الله بهدف إحداث تغيير ديمغرافي لمناطق بعينها في إطار مشروع استيطاني لا يختلف عن المشروع الصهيوني في فلسطين.

أما وقد ذهبت المعارضة السورية إلى جنيف وهي ترتكز على قاعدة صلبة تؤكد شرعية تمثيلها للشعب السوري كما تؤكد شرعية ثورته واستمرارية هذه الثورة، من خلال إصرارها على تنفيذ البندين 12 و13 من قرار مجلس الأمن رقم 2254 اللذين ينصان على وقف القصف العشوائي للمناطق المأهولة، وعلى ضرورة فك الحصار التجويعي عن مئات الآلاف من المدنيين في مناطق مختلفة، وكذلك على إطلاق سراح المعتقلين وخصوصا النساء والأطفال قبل أي مفاوضات، الأمر الذي يعري جرائم النظام الأسدي وحلفائه ويجرده من أي شرعية، ما يملي على هيئة التفاوض في جنيف مسؤوليات أبعد من المحادثات داخل جدران مغلقة مع دي ميستورا أو مع سواه.

رفع ممثلو المعارضة في وجه العالم أولوية حق الشعب السوري في الحياة. وعليهم أن يتابعوا ذلك على المستويين الإعلامي والشعبي، وأن ينقلوا هذه القضية إلى شعوب العالم لا إلى حكامه.

كان لإصرار الهيئة العليا للتفاوض عن المعارضة السورية على موقفها المبدئي المدافع عن حق السوريين في الحياة أن دفع دي ميستورا وكيري إلى تقديم ضمانات لقاء الذهاب إلى جنيف. لا تهمنا ضماناتهم. ضماناتهم لم تمنع البراميل من السقوط على رؤوس الأطفال ولم تحمل رغيف خبز للمتضورين جوعا في المعضمية أو مضايا. المهم ما يجري على الأرض. إن توقف البراميل المتفجّرة والصواريخ الفراغية ودخول قوافل المساعدات إلى المحاصرين هو انتصار للمعارضة وتأكيد على شرعية تمثيلها للسوريين. وإذا كان مسلسل تسريبات مجلة فورين بوليسي في ما يتعلق بتقارير مؤسسات الأمم المتحدة في سوريا وتزوير هذه التقارير لمصلحة عصابة الأسد، ثم التذرع بأن موظفيها هناك مقربون من النظام، وأن العاملين الأجانب سيكونون مستهدفين في حال لم تلبَ تعديلات (تزوير) النظام لتلك التقارير، هو بحد ذاته فضيحة كبرى، إذا كان يراد لهذا التسريب أن يبرر تقاعس المنظمات الدولية عن نجدة المحاصرين ما جعل العشرات يموتون جوعا، فإن ما أريد من التسريب الآخر الذي يعرض لتقرير تعرب فيه الأمم المتحدة “عن قلقها إزاء تعويل العالم على قدرتها في الخروج بحلول للأزمة السورية”، مشيرة إلى أنها “قد لا تستطيع فرض وقف لإطلاق النار، بسبب تعدد الفصائل المسلحة والجماعات الإرهابية في سوريا”، هو القول للمعارضة: أنتم على حق! ولكن ليس باليد حيلة، تعالوا لنتحادث ولنترك ما يمنحكم شرعيتكم للأيام!

لقد قالها رياض حجاب قبل وصوله إلى جنيف: من لا يستطيع إيصال علبة حليب إلى طفل محاصر لا يمكنه فرض حل سياسي في سوريا. فكيف إذا تبيّن أن تقارير الأمم المتحدة ذات الصلة تمر عبر أجهزة النظام ليدبجها كما يريد؟ وكيف إذا اعترفت المنظمة الدولية بأنها قاصرة عن تنفيذ أي بنود من قراراتها؟

أكد حجاب أنهم لن يدخلوا قاعات المباحثات ما لم تتحقق المطالب الإنسانية التي هي فوق التفاوض، ولكن البراميل المتفجرة لم تتوقف والحصار لا يزال مضروبا على مئات الآلاف. ورغم ذلك يخرج علينا دي ميستورا بعد لقائه بوفد المعارضة ليعلن بدء المباحثات! لقد سئم الجميع هذه المسرحيات السمجة. الشيء الوحيد المفيد هو أن يتحول وفد المعارضة إلى جنيف إلى متظاهرين يحملون صور ما يرتكبه النظام الدموي والاحتلالان الإيراني والروسي بحق الشعب السوري من جرائم، يصفها مسؤولون في المنظمة الدولية أنها ترقى إلى مرتبة جرائم حرب، بل جرائم ضد الإنسانية. وليطالبوا بمحاكمة المجرمين لأن القاتل يُحاكم ولا يُحاور.

ليتحول أعضاء الوفد المعارض إلى متظاهرين وليرفعوا بوجه المقرات الدولية صور الأطفال الذين يسقطون بالبراميل المتفجرة والصواريخ التي تقذفها المقاتلات الروسية، وصور الذين يقتلهم حصار التجويع الذي يطبق على مئات الآلاف من السوريين. فالشعوب حين تتآزر لن يهزمها أعداؤها مهما بلغ فيهم الحقد ومهما أتقنوا فنون المراوغة.

كاتب لبناني

9