لا تحزنوا لهم..  إنهم سعداء

الفيلم يعطينا فكرة جيدة عن العبث الحقيقي. تصوروا إنسانا يستمتع بهز قدمه اليمنى حتى يسقط منها صندله.
الثلاثاء 2018/05/01
الطفولة.. أيام سعادة جامحة

مؤخرا شاهدت فيلما اسمه مشروع فلوريدا وأحببته لأن القائمين عليه يفكرون مثلي. نحن نرجسيون ونعجب بمن يشبهنا، مهما زعمنا عكس ذلك. الفيلم يقدم الطفولة على أنها أيام سعادة جامحة، يقدمها كما لم تعد السينما تقدمها منذ عقود. السائد اليوم هو أن الفن يجب أن يعالج الانتهاكات والتعاسة والشقاء الذي يعيشه الطفل.

الفيلم يقدم أياما من حياة ثلاثة أطفال فقراء في فلوريدا، من الذين يسمونهم “المهمّشين”. أبناء أمهات عزباوات يعتمدن على الضمان الاجتماعي وما يقدمه المحسنون والبعض من فضلات المطاعم. لكن الأطفال وسط كل هذا يجرون ويضحكون ويتخيلون ويعبثون. الفيلم ينتبه إلى مسألة مهمّة وهي أن الشقاء في تفكيرنا ومخيّلتنا وتقديرنا، أما الأطفال فسادرون يضحكون.

الفيلم تدور أحداثه في عطلة الصيف وأبطاله الصغار لا يمتلكون حتى لعبة كمبيوتر، ما عندهم سوى “الصياعة” حتى المساء. يذكرون بما لاحظه طه حسين في الأيام حيث يتساءل كيف كان هو وصديقته المكفوفة البصر مثله، على محدودية عالمهما، يقضيان أيامهما في ضروب من العبث بحيث لا يتسع النهار كله لعبثهما.

الفيلم يعطينا فكرة جيدة عن العبث الحقيقي. تصوروا إنسانا يستمتع بهز قدمه اليمنى حتى يسقط منها صندله. وتصوروا مجموعة بشرية تمضي وقتا جميلا في البصاق من الدور الأول على الزجاج الأمامي لسيارة في المرآب بالدور الأرضي. يذهبون إلى مزرعة قريبة فيها بقرتان ويقنعون أنفسهم أنها حديقة الحيوانات. وهكذا يمضي اليوم.

سعادتهم في فلوريدا ذكرتني بالدرب الأحمر في القاهرة. هناك خطرت ببالي الفكرة التي صنعوا منها هذا الفيلم الشيق. كنت أتسكع نزولا من قلعة صلاح الدين إلى الدرب الأحمر في منطقة غارقة في شعبيتها. وفي ذات الحارة المتربة كانت ثمة مساحة صغيرة من الأرض غير مبنية. ومن يترك فسحة دون بناء يكون كمن وجه دعوات إلى ناس الحارة بأن يرموا مخلفاتهم فيها.

وسط الأتربة والأوساخ كان هناك صبيّان عمرهما بين الثانية والثالثة يلعبان بالزبالة. كانا عاريين لا يكسوهما سوى التراب وقد فعلت بهما الشمس فعلها؛ تغميق البشرة وتفتيح الشعر بالأكسدة. خداهما يلمعان مما جف عليهما من دموع ومخاط. أطفال الفقراء خدودهم تلمع لمعان الصدف وباطن المحار بسبب غشاء الدموع والمخاط.

كانا يهيلان التراب والأوساخ فوق رأس بعضهما البعض ويضحكان بتدفق مثل ماسورة مياه مكسورة. حزنت وسخطت وتخيّلت التراخوما وأنواع الرمد التي تنتظرهما. لكن ضحكهما المتواصل جعلني أبتسم أولا، ثم رحت أضحك ثم صرت سعيدا بما رأيت.

24