لا تحمّلوا أبناءكم أضغاث أحلامكم

المهارات الاجتماعية والتفكير المنفتح من الأمور التي يمكن تعلمها أيضا وتطويرها، وبذلك فإن الآباء مسؤولين بالدرجة الأولى عن بناء الهيكل العقلي والنفسي للأبناء.
الجمعة 2018/03/30
خريجو الجامعات مطالبون باكتساب مهارات عديدة للحصول على عمل

يبدو أن وظائف الأحلام قد أصبحت بعيدة المنال في عصرنا الحالي، خاصة بالنسبة إلى الأشخاص الذين يحثهم أهاليهم على التركيز على مجالات دراسية معيّنة ولا يتركون لهم المجال لتطوير مهارات قد تبقى مطلوبة مدى الحياة، ويصرون بدورهم بعد التخرج على الاكتفاء بالمؤهلات التي اكتسبوها في الجامعة، ولا يحاولون بذل مجهودات إضافية لتطوير قدراتهم المكتسبة، بل يتشبثون برغبتهم في العمل باختصاصات عفا عليها الزمن، ولم تعد لها قيمة في سوق العمل.

أحيانا لا تجري الأمور وفق ما يخطط له الكثيرون في مراحل الدراسة، بسبب سوق العمل الذي أصبح أكثر مرونة في عالم يقوده التقدم التكنولوجي بشكل متزايد، حيث لم تعد المؤسسات والقطاعات في أغلبها منسجمة مع الطموحات المهنية التقليدية، ولذلك فإن خريجي الجامعات مطالبين أكثر من أي وقت مضى باكتساب مهارات عديدة وفي مجالات مختلفة، حتى يتسنى لهم الحصول على فرصة عمل ولا يبقون عاطلين إلى أجل غير مسمى.

وقد شدد الخبراء على ضرورة التأقلم مع تحديات الواقع واكتساب المهارات التي تتماشى مع تحولات العصر وآفاق المستقبل، بدلا من تضييع سنوات إضافية في مطاردة وظائف خفتَ بريقها وأصبحت فائضة عن الحاجة. لكن المزاج العام السائد في أوساط أصحاب الشهادات من المحيط إلى الخليج العربي أصبح يغلب عليه التجهم والإحباط جراء الظروف الاجتماعية التي يعيشونها من دون أن يحاولوا البحث عن مهن بديلة للنفاذ من شرك البطالة.

ضيق آفاق سوق الشغل في الدول العربية من المسائل التي يكاد لا ينكرها أحد، ولكن الكاتب الأميركي نورمان فينسنت بيل يقدم أثمن نصيحة في كيفية التعامل الأوضاع المحبطة في الحياة بقوله “إذا غيّرت أفكارك تكون بذلك قد غيّرت العالم”.

المشكلة أن طموحات الكثيرين تتمحور في معظمها حول الشهادة الجامعية وتوقفت عندها، مما يعطل تفكيرهم عن النظر إلى الصورة الأشمل لقدراتهم الداخلية.

الحصول على شهادة جامعية عليا من جامعة عريقة من الوسائل الجيدة للنجاح في الحياة العملية، ولكنه قد لا يكون أداة كافية للحصول على مهنة جيدة وبراتب لائق، لذلك فإن أفضل مؤهل قد يتميّز به البعض عن غيرهم من جموع خريجي الجامعات الذين قد يضعون أيديهم على خدهم في انتظار أن يحالوا على التقاعد قبل أن يعملوا ليوم واحد في وظائف أحلامهم، هو القدرة على تبني المرونة والنظر إلى النموذج الأكبر في قدراتهم الذاتية والعمل على تطويرها، مما سيساعدهم على تحقيق أهدافهم وتجاوز الشعور المحبط بانغلاق الآفاق.

هناك أبحاث علمية، تلقي بالمسؤولية أيضا على الأسرة ودورها في جعل هوية الأبناء مُنغلقة في نوع معين من الوظائف دون غيرها، جراء ما تمارسه عليهم من ضغوط في الصغر بشكل مباشر أو غير مباشر، تدفعهم إلى التركيز على مجالات دراسية معينة، ولا تتيح لهم الفرصة لاكتساب مهارات التكيّف مع مختلف الأوضاع التي قد تواجههم في الحياة، كروح المبادرة والإقدام والمرونة والاعتماد على النفس.

وهذه إشارة واضحة على أن المهارات الاجتماعية والتفكير المنفتح من الأمور التي يمكن تعلمها أيضا وتطويرها، وبذلك فإن الآباء مسؤولين بالدرجة الأولى عن بناء الهيكل العقلي والنفسي للأبناء، فإما أن يصنعوا من أبنائهم أفرادا ناجحين وإما فاشلين.

21