لا تخشى الكلب

السبت 2016/04/09

للماضي في الريف البريطاني نكهة مختلفة، فهو قد يتعدّى تخليد الأحجار والمدن القديمة لتجده جالسا إلى جانبك، بكامل قيافته، في حديقة كنيسة نقشت على مصاطبها حروف لتخليد ذكرى عاشقين، كانا يبثان أشواقهما إلى أزهار الحديقة، ويمدّان نظراتهما الحائرة إلى الرابية ذاتها، التي تتطلع إليها الآن بعد مرور مئة عام على رحيلهما، فتتساءل في نفسك وأنت تمرّر أناملك على طبع اسميهما النافر على لوحة المقعد “ترى، هل تشارك العاشقان السعادة في رحلة حياتهما إلى النهاية، أم اكتفيا بسوء الطالع الذي خنق الكثير من قصص الحب وهي في أوج شبابها؟”.

في إحدى القرى القديمة التي تحولت إلى مزار للسياح، أخبرتني بائعة الزهور بأن هنالك مقاعد خاصة للكلاب الميتة التي خلدت ذكراها بالطريقة ذاتها التي نقشت فيها أسماء العاشقين. وهمست فيكتوريا الجميلة في أذني بألّا أفوّت الفرصة لزيارة مقبرة الكلب رايان التي تقع في الجهة المقابلة للكنيسة، هذا الكلب الذي تعيد تأبين ذكراه مالكته العجوز الثمانينية كل عام بنثر أكاليل من الزهور حول قبره، وتكلفها المئات من الجنيهات الإسترلينية طبعا! لم تتح لي الفرصة لزيارة مقبرة رايان، بعد أن غبت عن الوعي عندما أخذني الطريق مصادفة إلى بحيرة صغيرة كانت مختبئة في مكان ما وسط المساحات الخضراء، فشغلتني رائحة المياه ورقصات البجع عمّا سواها.

في سوق القرية القديم، الذي كان إسطبلا للخيول قبل مئات الأعوام، تتوزع المحلات التجارية التي تتعامل مع البضائع التي تصنع يدويا على نفس الشاكلة التي تداولها أهل القرية في الماضي البعيد، ولهذا يمكنك أن تصادف مثلا صانعَ خزف، صانع لعب خشبية، سيدة تعمل بالحدادة وبائعَ أدوات منزلية عجوزا يروّج لكل ما كان يعدّ سلعا استهلاكية في الماضي. من بين هذه المقتنيات مجموعة لوحات حجرية نقشت عليها أمثال إنكليزية شعبية كانت ومازالت، تزين واجهات الحدائق المنزلية أو المزارع العامة، ومن بين العشرات منها لفتت انتباهي لوحتان إحداهما كانت تقول “لا تخش من الكلب.. بل احترس من صاحب الدار”، فيما تعلقت بحاشيتها السفلى قطعة خشبية صغيرة مكتوب عليها بخط أصغر “لكل كلب يوم!”، هذا التناقض الغريب في محتوى الرسالة الحجرية وملحقها الخشبي، يبدو مقبولا إذا ما آمنا بأن الكلاب تُعرف بالوفاء والإخلاص والنزاهة وبعضها لا يتردد في تقديم حياته قربانا لأهل الدار، لكن ليست كل الكلاب؛ فهناك الكلاب التي تعضّ أصحابها وتسرق قوتها، ولهذا فإن لهذه الكلاب الأخيرة يوما، مهما علا شأنها وكثر مريدوها وسطع نجمها في صناديق الاقتراع.

أما اللوحة الثانية فكتب عليها بخط أبيض دقيق على خلفية رمادية “رجاء، اخلع حذاءك قبل أن تدخل، ولا تحاول استبداله بزوج أفضل عند مغادرتك”، والمعنى المباشر مفهوم بطبيعة الحال، حيث يكثر المطر في هذه الأماكن طوال العام ويصادف أن يغوض الناس في الأوحال وهم في طريقهم لزيارة صديق أو عدوّ، لذلك وتلافيا لإحراج الضيف ثقيل الظل فإن أصحاب الملك يلجأون إلى وضع مثل هذه اللوحات الحجرية عند مداخل دورهم، إذ أن الضيف ربما تسوّل له نفسه ترك حذائه المتسخ وسرقة آخر نظيف.

في العراق الجديد، اعتاد البعض من الساسة والبرلمانيين على دخول الدار بأحذيتهم الموحلة من دون أن يشعروا بالحرج، ولأن أصحاب الملك الوديعين لا يمتلكون عجرفة الإنكليز ووقاحتهم، لذلك استبدلوا اللوحة المحذرة بقصائد ترحيب غزلية حتى يستكين الضيوف لكرم أهل الدار، والبعض من هؤلاء الضيوف يغادر أو سيغادر حالما يجد زوج الأحذية الجديد المناسب بدلا عن القديم.

لكن، من سيكنس كل ما تبقى من هذه الأوحال؟

21