لا تخف إلاّ من الخوف

سوف نموت حتما، ولكن، بإمكاننا أن نختار أسلوب موتنا بطريقة تليق بالحياة التي عشناها وأهديت إلينا، ذلك أن النسر يموت رافع الرأس ولا يدفنه تحت جناحيه كما تفعل بقيّة الطيور.
الأربعاء 2018/12/12
الخوف من الآخر نصف الهزيمة

الطفل الذي تعلّم المشي حديثا، يركض في كل الاتجاهات، يرتطم بالحيطان ويتعثّر بالكراسي والخزائن والأدراج، يقع على جبهته ومؤخّرته، يبكي قليلا ثمّ يقوم، يعاود الكرّة مرّات ومرّات أمام ابتسامة والديه حينا، وحذرهما وخوفهما عليه أحيانا أخرى.. سوف يكبر هذا الطفل، ينسى الكدمات ويتعلّم الخوف.

الخوف من المرئي والمخفي، من المنظور والمجهول، من فرن الغاز وأشرطة الكهرباء والطوابق العليا والسيّارات المسرعة وحفر الطريق وصفارة الشرطي.. ونظرة الناس والقانون والأخلاق إليه.

الخوف من تبعات الماضي ومواجهات الحاضر وعواقب المستقبل، أي الخوف من الحياة والموت على حدّ سواء. ما هذا الطوطم الذي تشكّل مع بدايات وعينا وظلّ يرافقنا حتّى وقوعنا في آخر حفرة اسمها القبر؟

قد يعرّف الخوف بأنّه آليّة الحفاظ على استمرارنا، ولكن، أليس هو الذي قد يعيق قدراتنا ويكبّل أيدينا ويكمّم أفواهنا فيعيق استمرارنا فاعلين ومنفعلين؟ تعلمت البشريّة عبر مسيرتها أنّ الأيادي المرتعشة لا تقوى على البناء، وأنّ الجبناء لا يصنعون التاريخ.

الخوف من الآخر -عدوّا كان أم محايدا- هو نصف الهزيمة، إن لم تكن الهزيمة كلها. يستقوي الإنسان والحيوان وحتّى الزمان على الخائف بوعي أو بغريزة. صار من البداهة العلمية أن نعرف أن رائحة حمض نوويّ يطلقه جسد الفرد الخائف يثير الحيوان ويزيد من عدوانيته تجاهه.

 وثمّة حادثة قد جرت في إحدى المحميات الحيوانيّة، تؤكّد ذلك وهي قصّة تسلّل طفل في بداية عامه الثاني من سيّارة والديه. وفي غفلة منهما، ركض نحو نمر ينعم بالظلّ والهدوء تحت شجرة وارفة، اعتلى الطفل ظهر النمر، لمحه الأبوان فجأة من خلف زجاج السيّارة المصفّحة.

 تخيّلوا هول الصفعة (فلذة الكبد ستصبح بعد ثوان لقمة طريّة بين فكّي النمر) نزل الطفل -الشجاع بحكم عدم تقديره للخوف- من ظهر النمر واستدار إلى أن لامس رأس الحيوان البري، طرد الذباب من عينيه.

 لطم الحيوان بكفه الصغيرة ثمّ قبّله من وجهه (ربّما يظنّه والد القطّ الذي عرفه في صالون بيتهم). تجشّأ النمر فبانت أنيابه أمام الأبوين اللذين شارفا على مفارقة الحياة دون أن يستطيعا صنع شيء، رفع يده بكلّ ما أوتيت من مخالب وحضن الطفل الصغير ثمّ التفت برأسه نحو السيّارة وكأنّه يقول له “عد إلى والديك قبل أن أجوع”.

عاد الطفل إلى والديه مبتهجا وهو يشير بيده إلى النمر (ربّما يريد من أبيه أن يقتني له هذا القطّ الكبير إلى البيت).

انتهى المشهد بعودة العائلة وهي تحتفل بولادة طفلها من جديد، وبانكفاء النمر إلى مطاردة غزال شرود، لاحقه لأنّه اشتمّ فيه خوفا ربما تعلمه الحيوان النباتي الوديع بالتجربة حين فقد أحد والديه.. وتستمرّ ملاحقة القوي للجبان، والجبان لمن هو أجبن منه.. وهكذا تستمر الحياة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

قال أحد الظرفاء يوما بأنّه يكره تناول الكحول والحشيش المخدر على حدّ سواء، وذلك ليس فقط لاعتبارات صحيّة أو أخلاقيّة أو قانونيّة بل لأنّ الأوّل يعلّم الشجاعة دون سبب والثاني يعلّم الخوف دون سبب. نعم، إنّ الخوف دون سبب يشبه الشجاعة دون سبب.. وقس على ما بينهما من تبريرات، ذلك أن حياة الإنسان مبنية على محاولة التوازن بين التسرّع والتهوّر من جهة وبين السلبيّة وعدم المبادرة من جهة أخرى.

أغلب الاعتقاد أنّ الخوف -كما الشجاعة- مكتسب ولكنّ شيئا منه يورّث عبر الجينات الخلقيّة والمعطيات البيئيّة. كلّ فعل إنساني هو دحض للخوف، من ركوب الأهوال إلى السفر إلى الكتابة إلى المجاهرة بالأفكار والعواطف والأهواء والنّزعات.

سوف نموت حتما، ولكن، بإمكاننا أن نختار أسلوب موتنا بطريقة تليق بالحياة التي عشناها وأهديت إلينا، ذلك أن النسر يموت رافع الرأس ولا يدفنه تحت جناحيه كما تفعل بقيّة الطيور.

21