لا تدافع عن نفسك

الصمت سلاح، وهو سلاح من لا يرغب في أن يمسك سلاحا ويؤذي أحدا، هو سلاح الانسحاب مما لا يفيد في شيء، وتجاهل ما لا يأتي بنتيجة.
الخميس 2018/10/11
الدفاع عن النفس مؤلم ومستنزف للطاقة (لوحة: بهرام حاجو)

الذي يضعك في موقف دفاع كالذي يضعك في موقف هجوم، كلاهما يعتدي عليك ويستنزفك، لهذا لا تضيع وقتك وجهدك وطاقتك في الدفاع عن نفسك. عندما يتهمك أحدهم بشيء ما، أنت لم تفعله على الأرجح، وهو يعرف أنك لم تفعله، أو ربما لا يعرف، ويصر على عدم تصديقك فهذا نوع من العنف الذي يمارس عليك.

تقضي الساعات والأيام تسوق الحجج والبراهين على أنك بريء مما اتهمت به، أيا كانت صفته، صغيرا أم كبيرا، تفكر في طريقة توضح بها موقفك، تتألم لأنك متهم بشيء لم تفعله، ولأن الآخر لا يصدقك.

أحيانا يتعمد الآخرون وضعك في هذا الموقف الدفاعي، لأنه مؤلم ومستنزف للطاقة، كورقة ضغط عليك، أو كعقاب على شيء ما، أو لاستنزاف طاقتك وجهدك وسلب تركيزك. بعض البشر، وأنا منهم، يكرهون أن يكونوا محل شك أو تشكيك، وبالأخص ممن هم مقربون، فيسعون بكل الطرق إلى إقناع الطرف المقابل ببطلان الادعاء.

في البداية تشعر وأنت تمر بهذا الموقف بغرابة واندهاش، ثم بغضب شديد، لأن كلمة واحدة منك كان يجب أن تكون كافية لرفع الالتباس وإيقاف المعاتبة أو اللوم. بعد محاولة أو اثنتين تبدأ في الاعتقاد بأن شيئا ما ليس عاديا في ما يحدث، وأن الإصرار على تكذيبك، خطة مبيتة تهدف لتشتيت فكرك وتركيزك.

ردود الفعل على هكذا موقف تختلف من شخص لآخر. شخصيا، أترك غضبي جانبا، أو بالأحرى أؤجله لوقت لاحق، وأبدأ على الفور في محاولة إقناع الطرف المقابل بأن ما يتهمني به ليس صحيحا. أستجمع قوتي وأستعيد هدوئي وأفتح معه نقاشا هادئا أسوق خلاله ما يتوفر لي من حجج وبراهين وأدلة. يكون تركيزي كله منصبا على الوصول بشريكي في هذا الحوار إلى استنتاج أن ما اتهمني به ليس صحيحا. وقد أسهل عليه الطريق، كأن أقول إن سوء الفهم يحدث بين البشر، وإنني ممتنة له لأنه طرح السؤال وطلب توضيحا.

في البداية، عندما لا تنجح كل جهودي في إقناع الطرف المقابل ببطلان الادعاء، أستميت في القتال أكثر، أسرد المزيد من الحجج، أبذل المزيد من الجهد، أفكر في طرق أخرى، في حوار مختلف، في مقاربة جديدة.

وقد أقضي أياما بأكملها داخل هذه الدائرة المستنزفة للجهد والأعصاب. لاحقا اكتشفت، مع تراكم التجربة، أن أفضل طريقة للرد على الاتهامات الباطلة هي: الصمت. الصمت أداة دفاع محملة بالمعاني، فهو من جهة علامة على الرفض (وليس القبول) ومن جهة أخرى علامة على الاحتجاج، وفضلا عن ذلك، يحمينا الصمت من الانزلاق إلى دائرة الجدل العقيم، واستنزاف الطاقة والجهد.

الصمت سلاح، وهو سلاح من لا يرغب في أن يمسك سلاحا ويؤذي أحدا، هو سلاح الانسحاب مما لا يفيد في شيء، وتجاهل ما لا يأتي بنتيجة، وتعال على الصغير والتافه من الأمور، وهو لذلك أداة مناسبة جدا في حالات كثيرة. بالطبع، لا بد أن تشعر بالمرارة والغضب داخلك، لأن أحدا لا يصدقك، أحد عزيز، وشخص يفترض أن يكون أول من يصدقك، وأكثر من يثق بك.

مع الوقت يعرف الطرف المقابل أن صمتك رسالة له، رسالة عتاب بالأحرى، ورفض لوضعك في هذا الموقف، أنك لا تقبل أن تكون محل تشكيك، ولا تسمح لأحد بعزلك في هذه الزاوية المظلمة، وبالأخص، لا تسمح لأحد باستنزاف طاقتك وجهدك في محاولة محو ما لا يمحى ونفي ما لا وجود له، أن لديك ما هو أهم لتوجه له تركيزك، وأنك لن تصرف طاقتك إلا في ما هو إيجابي ومفيد ويستحق: في القراءة مثلا، والكتابة وقضاء شؤون بيتك وأولادك، والاعتناء بعملك وتفاصيل يومك.

21