لا تدرأ الفتنة بالاستبداد

الاثنين 2016/01/25

خلدون النبواني، صديق سوري، يعمل اليوم أستاذا جامعيا للفلسفة بالسوربون، فضلا عن أنه يخوض تجربة في إدارة أول دار عربية للنشر الرّقمي، آمن بالثورة السورية المغدورة منذ البدء ولا يزال يؤمن بها حتى بعد موتها الزؤام، بل آمن بأنها، قبل موتها، نجحت في إسقاط أسطورة “الأسد إلى الأبد”، نشر قبل أيام على جداره الفيسبوكي حكاية عميقة بحيث تكشف عن الأثر النفسي الذي يخلفه الاستبداد حين يجثم على صدور الناس في التفاصيل اليومية والمستويات الدقيقة.

يقول “عندما اشتغلتُ حارسا ليليا في كلية الهمك (الهندسة الميكانيكية والكهربائية) في جامعة دمشق مع منتصف التسعينات لكي أستطيع متابعة دراستي، كانت التعليمات الصادرة لنا تهددنا من أن أهم شيء يجب حراسته في الكلية هو تمثال حافظ الأسد الموجود في مدخل بناء الإدارة. كان يقال لنا لو أن كلمة واحدة كتبت على التمثال، أو لو أن خدشا أصابه سنكون نحن حراس المناوبة في خبر كان لا يعلم مصيرنا حتى الشياطين الزرق، أما باقي ممتلكات ووثائق الكلية فكانت أمرا ثانويا يمكن تعويضه. كان تمثال حافظ الأسد كابوسنا الحي، الجاثم فوق صدورنا ميتا وحيا. تمثال الأسد كان رمز كلية الهمك، بل ووزارة التعليم العالي، بل كل هيكلية الوجود السوري القائم على صنم من الرّعب الصامت”.

يقال من رأى ليس كمن سمع، ومن قاسى ليس كمن رأى، والسؤال الآن، هل يمكن لصديقنا النبواني، ولأمثاله من السوريين الذين يعدّون بالآلاف، أن يقبلوا بحل يخرج سوريا من الفتنة لكي يعيدها إلى الاستبداد؟ في المقابل، هل يمكننا العودة للدفاع عن الاستبداد باعتباره أخف ضررا من الفتنة؟

موقفنا كعقلانيين وتنويريين واضح في ما أرى، بصرف النظر عن المآلات المريبة لكل هذه الثورات المغدورة، والتي هي أولى ثورات القرن الحادي والعشرين، وقد لا تكون الأخيرة من نوعها، وبصرف النظر عمّا يقتضيه جحيم الفتنة والتطرّف اليوم من حكمة وفطنة عند المطالبين بالتغيير، علما بأن التغيير سنّة الكون في آخر التحليل، إلاّ أنّ الأصل في الأشياء أن لا شيء يبرر بقاء الاستبداد، لا سيما في هذا القرن الحادي والعشرين، والذي هو قرن الحريات الفردية والفضاء العمومي والشبكة العنكبوتية ووحدة النوع البشري.

لا شيء يبرر بقاء نظم مغلقة تمجد العبودية وتعول على أحكام الترهيب والترغيب، والوعد والوعيد، لا شيء يبرر لجوء الدّولة إلى الحجر على عقل الإنسان بدعوى الأمن القومي، لا شيء يبرر تعطيل الحريات الفردية لأن المؤسسات المدنية نفسها هي في آخر التحليل ثمرة تعاقد حر بين إرادات حرّة لأفراد أحرار. في كل الأحوال، من الحكمة تفادي النهاية المرعبة، غير أن تفادي النهاية المرعبة لا يُبرر تحمل رعب بلا نهاية.

لا شك أن الطفل الذي يلعب بكل حرية في الحديقة أو الشارع أو النادي قد يتعرّض لحادثة أو ربّما اعتداء، لكن هذا لن يكون مبررا لحرمانه من اللعب لأن الحق في اللعب هو الأصل والأساس. وكذلك نقول إن احتمال فشل تجربة هروب مجموعة من الرهائن من أيدي الخاطفين لا يبرر عدم المحاولة، وإن سقوط العشرات من الطائرات المدنية لأسباب تقنية أو فنية أو بشرية ليس مدعاة لتخلي الناس عن الطيران. ولنقل بوضوح أكبر، حتى بعد أن انقلب هذا المسمى قيد حياته بـ”الرّبيع العربي” إلى فتنة حارقة، فلن يعني ذلك بأي حال أن الاستبداد هو الحل.

إن الفتنة والاستبداد لهما وجهان لعملة واحدة، ولا يكفي أن نقلب العملة بل علينا أن نستبدلها. إنّ الاستبداد حين يمسح الأرض من الفكر والثقافة والحرية والإبداع، فإنه لا يدرأ الفتنة لكنه يتركها راقدة تحت الرماد. هذا ما حدث في العراق إبان عهد صدام ثم في فترة نوري المالكي، وفي سوريا إبان حكم الأسد الوالد ثم الأسد الابن، وفي ليبيا إبان حكم “الأخ القائد”، وفي اليمن إبان صالح – الدولة، ثم صالح – التمرّد. والحق يقال، قد تبدو شعوبنا محشورة اليوم في الزاوية الضيقة بين فتنة العمائم واستبداد الصنائم، بحيث لا تخرج من هذا إلا لتدخل في تلك، ولا تخرج من تلك إلا لتدخل في هذا، بل تبدو ثنائية الفتنة والاستبداد كأنها متلازمة التاريخ الهجري، منذ موقعة الجمل والفتنة الكبرى وعام الجماعة إلى غاية اليوم. لكني أقول في المقابل: حين نظنّ بأنّ الحرية غير ممكنة، فإنها تصبح غير ممكنة بالفعل، وبالأحرى تنعدم ممكناتها. لماذا؟ لأنّ الحرية تتجلى في الأذهان قبل الأعيان. الحرية وعي بالحرية أولا، كما أن الذّات ليست سوى وعي بالذات، كما أن الكرامة هي الوعي بالكرامة.

لم أتردّد في مساءلة فرضية “الخريف الأصولي” منذ البداية، وقد اعتبرت أيضا أن الإسلام السياسي لن ينجح في إدارة دول الرّبيع العربي لاعتبارات واضحة: أولا لم يكن الإسلام السياسي مستعدا لتسلم السلطة فهو كغيره فوجئ بانفجار ثورات لم يسايرها منذ البداية فالتحق بها بعد تردد كما تُظهر تجارب تونس ومصر وسوريا.

ثانيا، خلاف حزب العدالة والتنمية التركي الذي استطاع تسيير العديد من البلديات الكبرى لسنوات طويلة قبل أن يحكم تركيا، بما له أوّلا وما عليه في الأخير، فإن أحزاب الإسلام السياسي في مصر وتونس وسوريا وليبيا لم يسبق لها أن تحملت مسؤولية تسيير ولو جماعة واحدة في قرية نائية، لقد اتكأت على المظلومية، وكان هذا مجرّد نوع من الاستهتار الانفعالي.

ثالثا، لقد اندفع الإسلاميون نحو “تطهير” الإدارة مما سموه بـ”فلول” الأنظمة السابقة، مع ضمان “صك الغفران” لمن التحق من “الفلول” بالأحزاب الإسلامية، كما لو أن الإسلام السياسي يجبُّ ما قبله، هذا في الوقت الذي لم تكن فيه الأطر الجديدة، وهي أطر مؤدلجة بكل المقاييس، قادرة على خوض تجربة التسيير بكل ما يعنيه ذلك من كفاءة وخبرة ومعرفة ودراية. لقد كان الخيار العقلاني يتطلب تدشين مرحلة العدالة الانتقالية. وكان هذا هو الخيار التوافقي الذي قاومه الإسلاميون باستماتة شعبوية.

لا شك أننا بفعل المهاترات وغلبة “النفس الغضبية”، نواجه أهوال الفتنة وجحيم التطرّف، لكن المؤكد أنّ السيناريو الإيراني الذي انتهى إلى صعود الدّولة الدينية بعد الانقلاب الخميني على الحكومة المنبثقة عن أول انتخابات بعد الثورة، غير قابل للتكرار: أوّلا، باعتبار طبيعة الإسلام السني نفسه والذي لا يمثل بيئة حاضنة للدّولة الدينية، بحيث لا يفضي الغلو في الدين أو باسم الدين عندنا سوى إلى الفتنة؛ وثانيا، باعتبار ثورة التواصل الحديثة والتي أنهت احتكار المعلومة والمعرفة وسلطة الخطاب.

لهذا يبقى الخطر الأكبر الذي يهددنا اليوم هو تسونامي الفتنة.

كاتب مغربي

8