لا تزال الحياة مستمرة بلا مسلسلات تركية

نشهد عمليا تسجيل خروج حاسم من "سنوات الضياع" التركي وعائدات ما يقارب 2 مليار دولار يمكن أن تصب الآن في صالح شركات الإنتاج العربية والإبداع العربي كونها أولى بذلك العائد.
الجمعة 2018/03/16
ايقاف المسلسلات التركية لقي قبولا واسعا

في بادرة حاسمة لم يمض عليها عدة أيام أوقفت شبكة قنوات “أم بي سي” عرض المسلسلات التركية على شاشتها. وبعيدا عن كون القرار متأخرا أو متقدما فإنه من الجدير ذكره أن عائدات المسلسلات التركية بالنسبة لتركيا تصل إلى مليار دولار، وتتجه تركيا إلى أن تصل هذه العائدات إلى 2 مليار دولار بحلول 2030 احتفالا بالذكرى المئوية لقيام الجمهورية التركية ومن منطلق أن المجتمع العربي اليوم يمر بمرحلة حاسمة تهيمن فيها السياسة والاقتصاد على الفن والثقافة وتتسع الهوة وتتغير قوانين اللعبة، ومن هنا كان قرار مجموعة “أم بي سي” حول وقف المسلسلات التركية.

الفن لم يعد فناً محضاً منعزلاً عن سياقاته الأخرى، وهذه حقيقة إذ أصبح الفن سياسة بل إن السياسة اعتبرت الفن سياسة في حد ذاته.

إذا كانت الحضارات تتصارع عبر الثقافات والسياسات، فإن الدراما التركية، كنموذج بُث لسنوات للمشاهد العربي، قد خلقت ثقافة جديدة وهي من نمط تلك الثقافات التي قد تبني قيماً وقد تهدم قيماً أخرى ولم يعد من خيار للمشاهد أمام سطوة الدراما التركية غير التأثر التام بما يشاهده.

كما أن العلاقة بين الأعمال الفنية التي تبثّ مؤخرا للمشاهد وبين التغيّرات السياسية باتت شديدة الوضوح للمتابع، وحين يكون هناك ما ينبئ عن وجود أزمة في السياسة الإعلامية فإن قوانين هذه اللعبة الإعلامية حتما ستتغيّر.

في عالمنا العربي لا ينفصل الفن عن بقية المعتقدات الأخرى ولا عن سلطة السياسة والمال، ومحرّك كل هذا هو أن الإنسان كائن منفعل ومتفاعل بطبعه مع الثقافة السائدة، ولهذا حين ظهرت لنا الأمة التي خرجت من تركيا - وليس بالضرورة أن تكون خير أمة - فأطلّت على المجتمع السعودي عبر شاشاتهم، آناء الليل وأطراف النهار، في ظاهرة الدراما التركية التي لاقت حضوراً وإقبالا في مجتمع مازال يعيش الفعل ورد الفعل، فأصبح عامل النجاح الأول للدراما التركية هو قوة تأثيرها بحيث لم يكن عاديا بل كان مؤثراً بدرجة كبيرة اقتصاديّا وثقافيّا وفنيّا.

وفي عالمنا العربي لا ينفصل الفن عن بقية الآراء السياسية أو الدينية، فحين تمّ وقف الدراما التركية تبنى الرأي العام آراء مختلفة بين الرفض والقبول وهذا ما يمكن وصفه بردّ الفعل، وحين توفيت الفنانة الهندية سريديفي كابور كمثال لردّ الفعل ضجّ الناس أيضا في الخلاف في ما بينهم بين وجوب الترحّم عليها وبين حبهم لها وهي التي كانت إحدى بطلاتهم لسنوات وهنا يظهر تأثير الفن في خط مواز للمعتقد الديني، ولكن هل يستطيع الفن اقتحام مدينتنا الفاضلة تلك القابعة في العقول؟ هل يمكن للفن أن يقوم بوظيفة خلاقة غير التسلية والهدر للوقت؟ في الغالب نعم يقوم بهذا.

هناك الكثير من التلف الفكري والتأثير العميق الذي طال صميم التصوّر الذهني للمتلقي، والذي عكسته مرحلة تأثر المجتمع بالدراما التركية

لقي قرار إيقاف المسلسلات التركية قبولاً واسعاً لدى الرأي العام في السعودية وتوقفت المسلسلات التركية منذ ما يقارب الأسبوعين ولا تزال الحياة مستمرة بلا دراما تركية، حيث نشهد عملياً تسجيل خروج حاسم من “سنوات الضياع” التركي وعائدات ما يقارب 2 مليار دولار يمكن أن تصبّ الآن في صالح شركات الإنتاج العربية والإبداع العربي كونها أولى بذلك العائد.

ها نحن اليوم بلا دراما تركية، فهل يكفي أن نستيقظ دونها وأن نجد البديل وحسب؟ بالتأكيد ليس كافياً فهناك الكثير من التلف الفكري والتأثير العميق الذي طال صميم التصوّر الذهني للمتلقي، والذي عكسته مرحلة تأثر المجتمع بالدراما التركية بداية من التأثر العاطفي الكبير لنمط حياة أبطال الدراما التركية، مروراً بالإعجاب الشديد بشخوصهم وتمثل أسماؤهم وتسمية الأبناء بأبطال الدراما التركية والتأثر بطريقة حياتهم ويومياتهم، وانتهاء بالسياحة المتجهة لتركيا تحديدا والتي تشكل دخلا سياحيا كبيراً لتركيا حيث أصبحت تركيا قبلة السواح السعوديين في السنوات العشر الأخيرة، وبات الكثير من المواطنين يحظون بفرصة الهروب من عالمهم المحدود إلى عالم يتطلعون إلى أن يجدوا فيه ما وجدوه في المسلسلات التركية من عوالم حالمة.

إذا ما اعتبر الإعلام في وضعه الراهن هو أحد أهم الأسباب الرئيسية في تأجيج الحروب والنزاعات، فإن الفن الموجه أكثر تأثيرا من تلك الحروب، ففي حين تنال السياسات الإعلامية من التأثير على الشعوب وتسييسها، فإن الفن ينال من الإنسان في صميم وجوده إما بالسلب وإما بالإيجاب، إما بالارتقاء به وأما بزجه في كهف مظلم متوحدا مع ذاته ومراقبا سلبيا متأثرا لا مؤثراً. إنه النيل من البذرة التي ستصبح شجرة سامة أو شجرة مثمرة.

إن ارتباط الفن بالسياسة كان ولا يزال يمثّل قضية أساسية في حياة الشعوب العربية. حيث نجد أن السياسة والفن وتأثيرهما على الجماهير وعلى الدول ظهر بداية عند اليونانيين حين تنبّه أفلاطون إلى هذا الارتباط، حتى إنه حارب التجديد في الموسيقى باعتبار أن هذا التجديد يمكن أن يجلب تغيرا في الميول والطباع والخلق إلى الحد الذي يمكن أن يجعل أثينا في النهاية تحت رحمة أعدائها على حد قوله.

الجدل حول وقف الدراما التركية يستمد أهميته من خلال كونه يعكس ظاهرة صحية لدى المتلقي، وهو دلالة على يقظة فكرية وفنية لإماطة الستار عن الزوايا المعتمة في هذا الشأن.

هل الفن هو سلاح سياسي وثقافي؟ نعم هو كذلك باعتباره يعمل على تحقيق أهداف اقتصادية وسياسية وثقافية، لا يكون لها في الكثير من الأحوال علاقة بالفن باعتباره قيمة فنية. الحكمة تكمن في أن نعي هدفه ونوسعه ونوقفه في الوقت المناسب.

8