لا تصدقوا وعود رئيس تونس المنتظر

التغيير الحقيقي يحصل حين يكون للرئيس المنتخب حزب أو تحالف داخل البرلمان يؤمن بنفس خياراته، تنبثق عنه حكومة قوية تستطيع القطع مع الماضي والانطلاق برؤية عمل غير خاضعة لمصالح الأفراد أو الأحزاب أو اللوبيات.
السبت 2019/09/14
تونس ستبقى تعاني من تقاسم غنائمي للسلطة

لا يبدو التنافس الانتخابي على رئاسة تونس في مستوى ما كان منتظرا. جانب كبير من الشعب لا يبدو متحمسا للمشاركة في التصويت الأحد القادم، هناك شيء ما يفتقد إليه، ربما هو بريق الزعامة في المرشحين، أو الصدق لدى أغلبيتهم الساحقة، وربما هو الثقة في النخبة السياسية التي جربها التونسيون طيلة السنوات الثماني الماضية وأثبتت فشلها وعجزها وافتقادها الرؤية القادرة على السير بالوضع الاقتصادي والاجتماعي نحو الأفضل.

هناك من المرشحين من يصعب الاطمئنان إليه، وخاصة أولئك الذين جرّبوا الحكم أو كانوا جزءا منه، وفشلوا في تقديم ما يستفيدون به اليوم في الدعاية لأنفسهم، وهناك من يحاولون إخفاء تشددهم وعدوانيتهم ودكتاتوريتهم تحت شعارات برّاقة أغلبها مرتبط بأوهام لن تتحقق إلا في أخيلة أصحابها.

تلك الأوهام إذا كانت تعني شيئا فإنما تعني الضحك على الذقون والسخرية من الناخب، لأن رئيس الجمهورية التونسية وفق الدستور الحالي هو موظف سام على رأس الدولة، ولكنه محدود الصلاحيات، وحتى الصلاحيات التي يحتكم عليها لا يمكن فصلها عن المزاج العام وموقف الحكومة والأحزاب والنخب والمجتمع المدني.

قبل خمس سنوات، وعد الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي أثناء حملته الانتخابية بالكثير، ولم يحقق شيئا، فلا هو كشف ملف الاغتيالات السياسية، ولا هو حل مشاكل الشباب، ولا هو أعاد العلاقات الدبلوماسية مع سوريا، ولا هو تغلّب على مظاهر الفقر والبطالة والجريمة، ولا هو كان في خط مواز لخط حركة النهضة فلا يلتقيان.

كان الخطاب الدعائي آنذاك واعدا بالكثير، ومستقطبا لنسبة مهمة من الناخبين وخاصة من النساء، ولكن ما إن وصل قائد السبسي إلى كرسي الرئاسة حتى أدرك أن المسألة أعقد مما كان يعتقد، رغم أن حزبه كان في صدارة البرلمان بـ86 مقعدا، فجاء بالحبيب الصيد ليرأس الحكومة، وتحالف مع حركة النهضة التي كانت وعوده الانتخابية تُوحي بأن لا وفاق ولا توافق معها، وبقي يراقب الأداء الحكومي والبرلماني أمام تصدع نداء تونس، ثم أخرج الصيد من النافذة بعد أن أدخله من الباب، وجاء بيوسف الشاهد الشاب الطموح الذي رفض أن يكون مصيره كمصير سلفه، فكانت النتيجة أن انقلب الشاهد والنهضة على قائد السبسي وتحالفا معا ضده، ووجد الرئيس نفسه معزولا، وحتى مبادرته في موضوع المساواة في الإرث تم استغلالها ضده، وجمّدها البرلمان في إطار التوازنات التي تجاوزت الرئاسة بكثير.

الواقع يؤكد أن المشكلة لا تتعلّق بالرئيس الراحل قائد السبسي بقدر ما تتعلّق بطبيعة النظام السياسي الهجين الذي تم إرساؤه في دستور 2014 وفقا لتوصيات مراكز دولية متخصّصة في إدارة المراحل الانتقالية، ولا تعرف شيئا عن طبيعة الشعوب، وخاصة العربية منها، ولا عن ثقافتها وخصوصياتها النفسية والاجتماعية. فالنظام القائم في تونس حاليا يشتّت السلطات، ويجعل من الرئيس المُنتخب مباشرة من الشعب، عاجزا عن إدارة شؤون الدولة، بينما تصبّ أغلب الصلاحيات في يد رئيس الحكومة الذي يؤتى به إلى الحكم عبر ثقة برلمانية عادة ما تخضع لمحاصصة حزبية ليبقى أمره بيد زعيم الحزب الأقوى، وبالتالي فإن السلطة الحقيقية تكون بيد ذلك الزعيم الحزبي.

وحتى ملفات الدفاع والخارجية والأمن القومي التي تعتبر من صلاحيات رئيس الدولة، تبقى تحت أنظار البرلمان، وبالتالي تحت أنظار الكتل البرلمانية الأكثر تأثيرا، كل هذا يعني أن رئيس الجمهورية لا يستطيع فعل شيء، خارج إطار توافقات عادة ما تجمعه مع زعيم الحزب صاحب الأغلبية، كتلك التي كانت تربط قائد السبسي مع راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة.

في ظل هذا الواقع، ستبقى تونس تعاني من تقاسم غنائمي للسلطة، ولن تخرج من أزمتها خلال السنوات القادمة، لذلك فإن أغلب المرشحين للرئاسيات يعدون الناخبين بأن أول أهدافهم هو تعديل الدستور وتغيير النظام السياسي، طبعا ما عدا مرشح حركة النهضة الذي لم ولن يَعدَ بذلك، فالدستور تم وضعه على مقاس الحركة الإخوانية التي كانت تقود البرلمان ودفّة الحكم عند تحبير فصوله، وهي لن تغامر بتعديله إلا في حالة واحدة، وهي أن تضمن سيطرتها على الرئاسة وعلى البرلمان عبر توافقات تدفع بها إلى تصدّر نظام رئاسي، كما حدث في تركيا من قبل الرئيس رجب طيب أردوغان وحزبه العدالة والتنمية.

أيّ رئيس مُنتخب للعهدة القادمة سيجد نفسه عاجزا عن التغيير، ولن يكون بإمكانه الوفاء بأيّ من تعهداته المرسلة التي يطلقها اليوم، فقط سيكون بإمكانه أن يخدم نفسه والمقرّبين منه في حدود علاقاته بالداخل والخارج، وسيؤثر نوعا ما في العلاقات مع الإقليم والعالم، ولكنها علاقات ستبقى من حيث التفعيل السياسي والاقتصادي مرتبطة بتوجهات الحكومة الخاضعة لتوجهات القوة الأغلبية في البرلمان.

أما ما يُرفع من شعارات حول ملفات الشراكة وتأميم الثروات وتجميد الديون وتغيير التحالفات وتجريم التطبيع وتفعيل الاتحاد المغاربي ومراجعة الاتفاقيات الدولية وتيسير الحصول على تأشيرات السفر إلى الدول الأخرى وغيرها، فهي مجرد هذيان ناتج عن الحمى الانتخابية لا غير، ولا يمكن التعويل عليها. ذات الأمر يتعلق بالوعود المرسلة حول تعديل الدستور وتغيير النظام السياسي وتطوير الاقتصاد وتحقيق التنمية وإنصاف الشباب والقضاء على البطالة والارتقاء بالخدمات الأساسية كالصحة والتعليم والبيئة والثقافة، والتي لن يتحقق منها شيء عن طريق الرئاسة، وتبقى من مشمولات الحكومة الخاضعة لسلطة البرلمان.

كيف يكون التغيير الحقيقي إذن؟ الجواب بسيط وهو أن يكون للرئيس المُنتخب حزب قويّ أو تحالف حقيقي داخل البرلمان يؤمن بنفس خياراته، تنبثق عنه حكومة قوية تستطيع القطع مع الماضي والانطلاق برؤية عمل وخطة بناء غير خاضعة لمصالح الأفراد أو الأحزاب أو اللوبيات، وإنما لمصلحة الدولة والمجتمع فقط، وهذا يبدو صعبا.

فالبرلمان القادم قد يكون مشتّتا أكثر من البرلمان المنتهية ولايته، خاصة في ظل حالة التمزّق التي يعيشها الطيف الوسطي الحداثي الذي يقول إنه يمثّل الدولة الوطنية أو المسار البورقيبي، كما أنّ فيروسات السياحة الحزبية والحسابات والملفات والمصالح الذاتية ستشتّت أيّ قوة، إلا إذا استفاق الجميع من غفوته، وعاد الوعي إلى الغافلين، وفهم المشتّتون أن لا حلّ أمامهم إلا توحيد الصفوف بروح وطنية حقيقية غير قابلة للمزايدات التي نراها حاليا.

9