لا تطفئ شمعتك وأنت تعبر الغابة

في معجمه الفلسفي، كتب فولتير عام 1764 يقول “إذا أصاب التشدد عقلا بالغنغرة، صار المرض عصيا عن العلاج”، ويتساءل “بم تجيب من يقول لك إنه يفضل طاعة الرّب على طاعة البشر، وإنه واثق من نيل مكان في الآخرة إذا ذبحك؟” ويستنتج أن من يقودون أولئك المتطرفين ويضعون الخناجر في أيديهم هم في العادة دجالون. فوراء كل إرهابي رجل دين دجال، يبتغي الآخرة بإراقة دم غيره، موغرا صدر من يصدّق تهويماته، موعزا له بتنفيذ ما لا يجسر على القيام به بنفسه.
السبت 2015/05/30
العالم يعيش ما أدانه فولتير وتحدث عنه منذ أكثر من قرنين عن المتطرفين

بعد أكثر من قرنين، نجد أنفسنا أمام ما كان فولتير أدانه وفضح الدافعين إليه. وها نحن اليوم أمام أعداد مهولة من الشباب نشأت في ظروف قاسية، وعانت الإهمال في ظل أنظمة قمعية جائرة، ثم انهرست تحت سنابك عولمة متوحشة دمرت اقتصاد الدول النامية، فتلقفها فكر لاهوتي متزمت لا يرى خلاصا إلا في إلغاء الآخر، فنانا كان أم صحافيا، سنيا أم شيعيا، مؤمنا أم علمانيا، ذكرا أم أنثى، ليوهمها دعاته بأن الخير لا يأتي إلا على أيديهم، “قوم يعتقدون أن الله لم يهد سواهم” على رأي ابن رشد، يعدون البائسين بخيرات الأرض ومباهج السماء، مصوّرين لهم قتل الآخر جهادا، والانتحار استشهادا، ونسف المباني والمعالم والمتاحف ودور العبادة فتحا مبينا سوف يجازون عليه يوم القيامة خير جزاء.

وإذا كان لكل نشاط إنساني فكر يقوده، فإن المذابح التي تحصد الأرواح في تونس ومصر واليمن والعراق وسوريا لا تأتي من فراغ، بل تنبع هي أيضا من فكر ظلامي يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، ويرى في ما عداه عدوا لا بدّ من القضاء عليه، بأية وسيلة. ذلك أن للظلاميين أيضا تنظيراتهم، ترد أحيانا في شكل خطب ووصايا مسجلة على غرار التسجيلات الصوتية لأيمن الظواهري وبن لادن، مثلما ترد في شكل مصنفات كما هو الشأن مع كتاب “إدارة التوحش” لرجل من تنظيم القاعدة يدعى أبا بكر الناجي، يرسم فيه بدقة سبل الانقضاض على السلطة، مبتدئا بمرحلة النكاية والإنهاك، ثم مرحلة التوحش، ثم مرحلة الانقضاض على الجيش واختراقه وتشتيته. والغاية نشر الفوضى وبث الرعب بين الناس، حتى يسهل احتواؤهم في ما بعد بالتدخل لإحلال الأمن وتطبيق الشريعة. وهو ما درجت عليه كل التنظيمات الإسلاموية، من القاعدة وجماعة أبوسيّاف وأنصار الشريعة وجبهة النصرة إلى داعش وفجر ليبيا وبوكو حرام، فجميعها تتخذ من ذلك الكتاب منهاجا للاستحواذ على السلطة بالقوة، ثم التكرم على من يقبل زعماءهم قادة بشيء من الأمن وقليل من الغذاء وبعض المزايا، خصوصا لمن يقبل الانضمام إليهم، للجهاد في سبيل الله كما يزعمون.

الفكر المتجمد، المشدود إلى زمن خرافي، المسكون بأساطير لا يصدقها إلا السذج، ينبذ كل ما هو عقلاني

هذا الفكر المتجمد، المشدود إلى زمن خرافي، المسكون بأساطير لا يصدقها إلا السذج، ينبذ كل ما هو عقلاني، ويجترّ ما قاله الأولون بغير تدبر. ولو أعمل المغرر بهم العقل ساعة، لتبيّنوا الغي من الرشد، وأدركوا أن دعاة السوء يقودونهم إلى الجحيم، في الدنيا والآخرة. فلا إمام سوى العقل، كما قال شاعر المعرّة، أما أئمة الدجل والفرقة والتضليل، أولئك الذين يستغلون المساجد والقنوات الفضائية والمواقع الاجتماعية لبثّ الكراهية وتحريض المؤمنين على قتل إخوانهم من العرب العاربة والمستعربة، فليسوا في الواقع سوى مجرمين جبناء. والعقل هو الذي ينقذ من وقع بين مخالبهم ويردّه عن الغواية، والعقل أيضا هو من يصون الباقين من الهاوية. يقول ديدرو “لو تخليت عن عقلي لم يعد لي دليل، عندئذ أختار كالأعمى مبدأ ثانويا يخيل إليّ أنه المنشود”.

عندما انهار جدار برلين ووضعت الحرب الباردة أوزارها، خيل للبشرية قاطبة أنها ستعيش في دنياها عيشة سعيدة خالية من الكره والقتل والدمار، وتمثل بعضهم ما كتبه كوندورسيه عام 1795 مبشرا بمجتمع كوني يعتاد فيه كل فرد التفكير في سلوكه الخاص، فيسأل أو يسمع عنه بعقله وضميره، وكذلك في مشاعره النبيلة التي تمزج سعادته بسعادة الآخرين، ناصحا أن تكون “صيحة القتال” لدى الفرد معبّرة عن التعقل والتسامح والنزعة الإنسانية، ليسير بقدم ثابتة في طريق الحقيقة، “تلك الحقيقة التي يملكها من يبحث عنها، وليس من يدّعي امتلاكها” كما قال. ولكن الله ابتلانا بقتلة يكرهون الحياة، ويعادون العالم بأسره ما لم يكن على شاكلتهم، يزعمون أن الحيلة في ترك العقل، واتباع السلف اتباعا أعمى، للفوز بالجنة.

يقول ديدرو “إذا تهت في غابة كثيفة في عزّ الليل، وليس لي هاد يهديني سوى ضوء شحيح. يطلع عليّ شخص غريب فجأة ليقول لي: أطفئ الشمعة يا صاح، وسوف تفلح في إيجاد طريقك. هذا الغريب هو رجل دين”.

17