لا تظلموا برهم صالح

الآن وقد دخل الدكتور برهم صالح القصر الجمهوري أشعر بكثير من القلق عليه من الآمال الهائلة التي يظن الشعب العراقي أن في إمكانه تحقيقها بضربة سيف واحدة.
الأحد 2018/10/07
مسؤولية معقدة

أجد من واجبي أن أتحدث بصفتي الشخصية هذه المرة خلافا لعادتي في أغلب مقالاتي السابقة، فأعرض عليكم واحدة من أهم الصفات الخاصة بالدكتور برهم صالح انطلاقا من صداقة امتدت سنين طويلة نقية وبعيدة عن أي مؤثر غير رباط الصداقة المُبرّأة من عيب.

 في أغسطس 2016 كتبت مقالا بعنوان (كاكه برهم ليش؟) وتوقعت أن يكون نهاية تلك الصداقة. لكن ما كان يحدوني لنشره أهم من صداقة شخصية من أي نوع ومع أيّ كان. واسمحوا لي بإعادة نشر المقال لندخل في الحديث عن الرجل الذي دخل القصر الجمهوري هذه الأيام وينتظر منه العراقيون والعرب والأكراد الكثير مما في طاقته أن يفعل ومما لا طاقة له به.

***

بعض ما ورد في المقال:

“إلى أمد قريب كان الظن أن آخر طموح الاستعمار الفارسي هو اقتطاع الجنوب العراقي الشيعي وضمه لدولة الولي الفقيه. لكن الذي أثبتته تجارب ثلاث عشرة سنة أن الطمع لا حدود له. ومتى تنتهي حاجات من لا يشبع؟ فقد تبين أنه يعمل، بكل الوسائل، حلالها وحرامها، لإطباق ذراعيه على مدن السنة التي يخرج داعش منها، وأنه يتخذ من محاربته المزعومة للإرهاب غطاء خادعا لشراهته السياسية والعسكرية والطائفية التي لا تحدّها حدود. والحقيقة أن عتب العراقيين كان فقط على شيعة العراق (المستفرِّسين) الذين جعلوا أنفسهم سكاكين تأتي من (جنوب) الوطن و(شرقه) لتنغرز في خاصرة أشقائهم العراقيين، شيعة وسنة. لكن لم يكن واردا في الحسبان أن يتطوع قادة كردستان العراق، لأن يصبحوا السكاكين الأخرى التي تنغرز في خاصرة الوطن الثانية.

وجاءت البشارة بهذه الطعنة الجديدة من أحد القادة الذين كنّا إلى عهد قريب نعده أخلص أصدقائنا، وطنيا عراقيا أصيلا وديمقراطيا صادقا يرفض الغدر بأشقائه، ويأبى أن يكون عميلا لأحد، مهما كان وأيا كان. فالدكتور برهم صالح، النائب الثاني لرئيس الاتحاد الوطني الكردستاني، كان طيلة السنوات الماضية يتمسّك بوطنيته العراقية، مع اعتزازه بكرديته، وينأى بنفسه عن الشلل السياسية الفاسدة، وجعلنا نثق بعلمانيته وديمقراطيته، إلى حد أننا علّقنا عليه آمالا كبيرة في أن يصبح رئيس جمهوريتنا، برغم علمنا بأن أي رئيس جمهورية، تحت سيوف الولي الفقيه، لا يحل ولا يربط، ولا يهش ولا ينش، ولكن على الأقل كنا نريد أن يكون لنا صوت شريف في القصر الجمهوري، بدل هذا الذي لا يفوّت فرصة لإهانتنا، ونفاق أعدائنا، ولا يستحي.

والقول بأنها سكين خاصرة جديدة لأن سكاكينهم السابقة كثيرة ولا تعد. فقادة الاتحاد (الوطني) والحزب (الديمقراطي) قبلوا أن يلتحموا بأحزاب ومنظمات وتجمعات يعلمون جيدا بأنها أحزاب دينية متزمتة طائفية تعيش على الخرافة، وانتهازية وغير وطنية ولا تؤمن بأن لها وطنا غير وطن الولي الفقيه.

والحقيقة أن ذلك التحالف كان هو السكين الكردية الكبرى التي ذبحت الوطن وأهله من الوريد إلى الوريد.

وكل ما جاء بعد سقوط نظام صدام حسين من عجائب وغرائب ومصائب لا يتحمل مسؤوليتها مجلس الحكيم، وحزب الدعوة، ومعهما منظمة بدر وباقي المنظمات والتجمعات المسلحة العديدة، فقط، بل يتحمل نصفها جلال الطالباني ومسعود البارزاني، بالتمام والكمال.

هل قرأتم هذا الخبر؟ “أكد برهم صالح أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تضطلع بدور هام للغاية في مكافحة الإرهاب”. وقال “إننا نعتبر الجمهورية الإسلامية الإيرانية حليفا استراتيجيا بالنسبة لنا”. وقال أيضا إن “قوات البيشمركة الكردية والقوات العسكرية العراقية والحشد الشعبي في هذا البلد أيضا لديهم دور هام للغاية في محاربة الإرهاب، وفي هذا السياق فإن الدعم الذي تقدمه الجمهورية الإسلامية الإيرانية، على جميع الأصعدة، يحظى بأهمية بالغة، وأن طهران كانت رائدة في مواجهة الإرهاب دوما”.

طبعا، مفهوم جدا أن الدوافع التي تجعل كاكا برهم وغيره من قادة الإقليم يجاملون إيران وتركيا، هي دفع شرورهما ونواياهما على أساس “ابعد عن الشر وغني له”. ولكن الإغراق في العلاقة إلى حد أن تصبح إيران “صاحبة الدور المهم في محاربة الإرهاب”، ويصبح الحشد الشعبي “قوة وطنية تحارب الإرهاب” ليس سياسة ولا دبلوماسية، بل هو اقتناع ظاهر ومبرم بتفسير النظام الإيراني الطائفي الشمولي الدكتاتوري للإرهاب ومواصفاته للإرهابيين. وهنا تكمن الطامة الكبرى والصغرى معا، ويُثبت الاتحاد الكردستاني هويته الإيرانية المشكوك فيها من زمان بعيد، من أيام حمْلِ أعضائه العراقيين بنادقهم الإيرانية لقتل جنود وطنهم وضباطه، ومنهم أكراد كثيرون.

وهنا لا تكون خطيئة الأب القائد للاتحاد الوطني الكردستاني، جلال الطالباني، الذي وهب كل شيء لإيران، بأقل من خطيئة غريمه قائد الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي وهب كل شيء لأردوغان. وكما يدفع مسعود البارزاني اليوم ثمن علاقته المنفلتة مع تركيا، فإن الانغماس الطالباني في الحب الفارسي لن يعود على الشعب الكردي إلا بالخراب.

ورغم تكذيب إيران لأخبار إقامتها قواعد عسكرية وصاروخية في مناطق نفوذ الاتحاد الوطني فإن كثيرا من الأوساط العسكرية والسياسية الدولية المحايدة أكدت ذلك. وهذا معناه أن لإيران حشدا شعبيا كرديا في شمال الوطن، يعاضد علنيا ذلك الحشد الذي يرفع رايات الحسين ذاهبا لأخذ الثأر من أحفاد يزيد. ألا يقرأ كاكا برهم ولا يسمع ولا يرى؟

بصراحة، إن الحزن العميق الذي تشعر به الملايين من العراقيين، بكل طوائفها وقومياتها وأديانها، ينبع من الخوف على المواطن الكردي قبل شقيقه العراقي الآخر، من أن يظل كرة تتقاذفها أقدام الكبار، لسبب واحد لا أخَ له، وهو أن من جاء بهم الحظ العاثر على رأس القيادة في كردستان مشغولون بالزعامة، حتى ولو كان ثمنها دماء مواطنيهم ودموعهم وكراماتهم وأرزاقهم.

ترى ماذا يقال عن الذي يكون، متطوعا، خنجرا يطعن به الوليُ الفقيه والخليفة أردوغان خواصرَ أهله، ولا يخاف، ولا يستحي؟”.

***

آمال هائلة يضعها الشعب العراقي في برهم صالح
آمال هائلة يضعها الشعب العراقي في برهم صالح

على الفور جاءتني الرسالة النصية بالإيميل من كاكه برهم:

21 أغسطس 2016

حبيبي كاكه إبراهيم،

مودتي ومحبتي،

قرأت تعليقكم الأخير أيها الأخ العزيز. كن واثقا لم أكن إلا حريصا على مستقبل الوطن المبتلى بهذه الكوارث والفواجع، ففي المقابلة تأكيد صريح على أن الحل في بغداد وليس في أنقرة ولا طهران ولا في واشنطن، وأنت لبيب وتفهم حتى أقل من الإشارة! لا أخفيك أنني مع علاقات حسن جوار مع إيران وتركيا، ولاشك أيضا مع الجوار والعمق العربي، وأرى ضرورة عدم تكرار مآسي الماضي والانجرار نحو متاهات الشعارات القوموية ولا أريد لبلادنا أن تكون ساحة تصفية حسابات الآخرين كما هو حالنا اليوم، ومصلحة العراق وكردستان تكمن في علاقات متوازنة مع الجيران. فاليوم نحن أحوج ما نكون إلى تفاهم داخلي جدي وتوافق إقليمي لاستئصال هذا الورم الخبيث المتمثل بداعش وأخواته، وهذا يتطلب حلا جذريا لمشاكل العراق الذي ينتقل من أزمة إلى أزمة أخطر. أرى في نقدك محبة، وأتمنى عليك أن تقرأ المقابلة مرة أخرى بتمعن، وإن شاء الله ستكون من العباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه!

ولك كل المحبة والتقدير والاشتياق من أخيك.

برهم

***

رددت عليه بهذه الرسالة:

أخي وحبيبي الكبير

أشعر بحزن كبير لأنني قد أكون قسوت عليك وسببت لك بعض الألم،

سامحني واعذرني

أفهم جميع دوافعك النقية، وأقدّر اضطراركم لإقامة العلاقات النافعة والضرورية التي تحتاجونها مع دول الجوار، ومنها، وفي مقدمتها إيران، خصوصا في هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها كردستان والعراق معا.

وحديثك عن أهمية إيران وأهمية تطوير العلاقة معها في جميع المجالات لا غبار عليه، ولا يلومك على إعلانه غير جاهل أو حاقد.

فقط لم أكن أريد أن أجدك تتورط بتخريب الصورة الجميلة التي حفرتها لنفسك في قلوب الملايين من العراقيين العرب قبل الأكراد بأخلاقك وثقافتك ونزاهتك وعراقيتك التي أثق بأنها لا تقل عن كرديتك.

فاعتبار إيران تحارب الإرهاب، والحشد الشعبي قوة وطنية تحارب الإرهاب، حتى لو كان في هذا التوصيف بعض الحق من وجهة نظرك، فهناك ملايين العراقيين والعرب الذين أحبوك يرونها إرهابا لا يختلف عن إرهاب داعش في كثير من الوجوه.

قد نختلف كثيرا في هذه المسألة، ولكن الذي لا تنكره أنت، قبلي أنا، أن إيران خرّبت العراق، وضيّعت عليه حياته الآمنة المستقرة، وما زالت تواصل تخريبه، على الأقل بتبنيها ودعمها للمالكي والعامري والجعفري وباقي الشلة التي دمغها بالخيانة حتى المرجعية الشيعية ذاتها.

أخي الكبير

تبقى أخي الكبير مهما قلتُ فيك ومهما قسوت عليك، فلا أنسى أنني دخلت بيتك، وأكلت من زادك وملحك.

أنا المبشر بك دائما وبمستقبلك ومستقبل العراق على يديك وعلى أيدي أمثالك من الشرفاء.

أرجوك أن تعيد صناعة صورتك الجميلة في قلبي وقلوب الملايين.

ورسالتك هذه دليل آخر على رقيك ولطفك وكرمك.

مودتي وإخلاصي لك وللأسرة الكريمة ولكل شعب كردستان الذي أحببته وعشت معه وخبرت طيبته وكرمه اللذين لا حدود لهما.

أخوك إبراهيم

***

الآن وقد دخل الدكتور برهم صالح القصر الجمهوري أشعر بكثير من القلق عليه من الآمال الهائلة التي يظن الشعب العراقي أن في إمكانه تحقيقها بضربة سيف واحدة، حتى وهو مقيد بعشرات القيود والحدود، مع العلم المؤكد بأنه ليس من خامة المشاكسين والمكاسرين، إذ أنه رجل مسالم، رقيق الحاشية، لطيف المعشر، يميل دائما إلى تطبيق مبدأ الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة (خذ وطالب)، وبالتي هي أحسن، وبالابتسامة التي تليّن الحديد إلا لدى الأقوى من الحديد. فاعذروه ولا تظلموه.

4