لا تعارض بين الكتب السماوية والشعر والفيزياء

الشاعر العراقي سليم العبدلي يؤكد أن النظرة الفيزيائية لا تختلف من حيث المفهوم العام لها عن النظرة الشعرية.
الجمعة 2018/05/18
أبحث دائما عن مكان أنتمي إليه وينتمي إليّ

قدم الشاعر العراقي المقيم في الدنمارك سليم العبدلي ثلاث مجموعات شعرية “الأمكنة مقابر الوقت” و”من رائحة الفراق” وأخيرا “همس المرآة.. أسرار الجسد” الصادر عن دار ابن رشد بالقاهرة، وأهم ما يميز نصوص العبدلي في هذه المجموعة وسابقتيها أنها مشغولة بعوالم ذات شاعرها، بتساؤلات وجوده في هذه الحياة، وبتقلباته ومواجهاته، وبرؤاه وأفكاره، تضرب في الأرض شغفا وحبا وسعيا إلى جماليات ربما عابرة أو متخيلة وربما حاضرة وتريد القبض عليها، ليست مشغولة ببناء أو تقنية أو أسلوب أو صورة أو مشهد أو أي من تلك الأمور التي غالبا ما ينشغل بها الشعراء بحثا عن خصوصية نصوصهم، لذا فهي نصوص بقدر عمقها وعمق دلالاتها وإيحاءاتها بسيطة ونقية.

 

على عكس ما يبدو للبعض فإنه لا تعارض بين العلوم على اختلافها وبين الأدب، وحتى الشعر الذي ترتبط به أكثر الرؤى الخيالية والحركات العاطفية فإنه يمكنه بدوره الإفادة من العلم، بل وتوسله طريقة لرؤية العالم. “العرب” التقت الشاعر الدنماركي العراقي الأصل سليم العبدلي في حديث حول عدد من القضايا التي لم يتطرق إليها من قبل مثل علاقته بالفيزياء باعتباره أحد علمائها.

نصوص المكان

بداية يوضح العبدلي كشاعر وعالم فيزياء، العلاقة التي تربطه شاعرا بالعلم رغم التنافر الذي تزعمه الرؤية السطحية بين الإبداع والعلم، ويقول “الفيزياء هي علم الطبيعة الشامل، ولحد وقت قريب، لا يزيد عن القرن ونصف القرن، لم يكن مصطلح ‘الفيزياء’ مستعملا أبدا، وإنما ‘فلسفة الطبيعة’ هو المصطلح الذي كان يطلق على علوم الفيزياء أو علوم الطبيعة، وبذا فإن للفيزياء علاقة بكل ما هو طبيعي. ونعرف جيدا أن معظم النظريات الطبيعية لم تكن نظريات في البدء، وإنما فرضيات وأطروحات فلسفية، ولكن بعد تطبيقها، أو إثباتها عمليا ودعمها بالإطار الرياضي الذي يرتبط بجوانب العلوم الأخرى تصبح هذه الفرضيات نظريات. وهذا يدل على أن الجانب الفلسفي له دور كبير هنا، وما أعنيه بالجانب الفلسفي هو الجانب الجدلي في الأمر ثم الجانب الشمولي”.

ويؤكد العبدلي أن “النظرة الفيزيائية لا تختلف من حيث المفهوم العام لها عن النظرة الشعرية، وهي النظرة الفلسفية والحسية لدى الشاعر. فالزمان هو الوحدة القياسية للتغيير الذي يطرأ على المكان، والمكان هو مقياس للوقت المقطوع في فترة زمنية، لما مضى. وللاثنين علاقة ديالكتيكية وديناميكية في آن واحد، فلا وجود لأحدهما دون الآخر، فليس هناك أي مكان دون زمان والعكس أيضا صحيح. من هنا يمكن أن نفهم أن علاقتي مع المكان هي علاقة يفرضها المكان ذاته عليّ، يفرضها بسماته وخصائصه التي تجذبني، تسحرني وتأسرني، حيث في النهاية يصعب عليّ تركه، فتجده يتكرر في قصائدي، لأنه يشغل الوجدان والذاكرة”.

ويشير العبدلي إلى أن “الوقت والزمان والمدى الزمني لا يمكن فصلها عن الذاكرة، وكما نعلم فإن للذاكرة دورا هاما في وجدان وضمير الإنسان، وهي التي تعلو وتهبط في الإنسان، بما يتعلمه من حسن وغير حسن من التجارب التي خزنت في الذاكرة، بدلا من التعامل مع الذاكرة، وكأنها برّاد (ثلاجة) أو ‘مجمّدة’ نحفظ فيها لحوم تجاربنا لكي نخرجها متى نشاء كي نقضم منها شيئا. إنني أتعامل معها وكأنها أنا الآخر، قريني الملازم لي”.

ويضيف “كانت بغداد مدينتي رغم أنها كانت محتلة من قبل عصابات البعث، ولكنها في السبعينات من القرن الماضي كانت لا تزال تحتفظ بشيء من الحرية والانفتاح الذي لم يدم أكثر من خمس سنوات، بعدها عادت التقاليد القريشية إلى مقاليد الحكم لتعبث بالمواطن كما يشاء لها، وترمي به إلى عبودية حقيقية وسجن أبدي، وحتى يومنا هذا، وبعد الاحتلال الأميركي سُلّم الحكمُ إلى أزلام يعتمد عليهم في الإدارة الأمبريالية العالمية، ليطبق الاحتلال الديني العنصري المغرور، حتى جاءت داعش لكي تفضح مدى ركاكة هذا النظام وعمق فساده. ومنذ هجرتي إلى بغداد وحتى الآن أجد نفسي أبحث عن مكان لي، مكان أنتمي إليه وينتمي إليّ، ولكن للأسف كان الأمر دائما مؤقتا، وفي النهاية أجد نفسي في غربة دائمة. وها أنت هنا تجد الذاكرة قد عبّرت عن الزمان والمكان، وفجرت الأحاسيس المتعلقة بمدينتي الأولى؛ بغداد”.

النظرة الفيزيائية لا تختلف من حيث المفهوم العام لها عن النظرة الشعرية، وهي النظرة الفلسفية والحسية لدى الشاعر

ويلفت العبدلي إلى أن موضوعة المكان لا تزال باقية وبنفس مكانتها السابقة في نصوصه التي يكتبها، رغم أن ملامح المدن في قصائده تختلف من مكان إلى آخر.

مساءلة الكتب السماوية

حول إشارة قصائده الأخيرة إلى نصوص من الكتب السماوية، يرى ضيفنا أن هنالك علاقة جدية، فرضتها دراسته للعلوم الطبيعية، والتي تحتم فهما لفلسفة الوجود وبداية ونهاية الكون. ففي العلوم الطبيعية تجد قانون الديناميكية الحرارية الثاني يعارض أي فهم ورد في الكتب السماوية لوجود الكون، لخلقه. وكفيزيائي متخصص ومتعمق في فهم القوانين الفيزيائية وتطبيقها وتدريسها لطلبته، يتحتم عليه الفصل بين الفيزياء “والعلوم بشكل عام” وبين ما أتى في الكتب السماوية. فالاثنان، في رأيه، لا يتعارضان ولكنهما لا يتفقان.

يقول العبدلي “معرفة ما هو مكتوب في الكتب السماوية أصبح ضرورة، خاصة وأن هذه الكتب لا تزال، وللأسف، تتحكم بمصائر معظم شعوب العالم، حتى تلك التي تدعي غير ذلك، ونرى تفسير تعاليم هذه الكتب إن لم يكن وراء مآسي الشعوب فإنه ضليع في الأمر. وخلال العقود الأخيرة بدأت أتردد على هذه الكتب باستمرار، أقرأ وأعيد فهم ما فيها. ورغم أن هذه الكتب ليست إلا تكرارا لبعضها البعض، فإن قراءة أحدها لا تغني عن معرفة ما في الاخر. فما جاء في التوراة مفصلا بروائية عالية التفاصيل نجده في القرآن معروضا ولكن بإيجاز يصل في الكثير من الأحيان إلى الرمزية، ولولا تفاسير رجال الدين لأصبح القرآن غريبا على البشر، ولاشترطت قراءته قراءة التوراة والإنجيل معا. ولكني لا أبحث عن تفسير من قبل أي رجل دين، وذلك لأن رجل الدين بضرورة الحال متحيز، إن لم نقل قد غُسلَ دماغه وأصبح بوقا يكرر ما كتبه أو قاله من أتى من قبله دون أيّ نظرة نقدية للأمر، ومن جانب آخر، فإننا شبعنا من هذه التفاسير، فمنذ صغرنا ومنذ المراحل الابتدائية في دراساتنا، لم يتوان التعليم عن حشو أدمغتنا بإعادة ما قاله الأسبقون وما علينا إلا الأخذ به وطاعته وترديده. إن كل ذلك دفعني إلى إعادة قراءة هذه الكتب، بعيدا عن الأحكام المسبقة وسلطة الفهم الجماعي الموروث. وقد وجدت أن هناك الكثير مما مرّ على مسامعنا وعلى أنظارنا دون تدقيق أو حتى التوقف حياله من أجل استيعابه”.

ويشدد سليم العبدلي على أن تطرقه في نصوصه الشعرية الأخيرة لبعض من هذه النصوص التي وردت في الكتب السماوية لا يتعدّى التذكير بأن علينا قراءة النص السماوي بموضوعية تحتم على المؤمن احترام الأديان الأخرى، ويقول “مثال على ذلك وصية النبي موسى إلى بني إسرائيل التي وردت في التوراة والقرآن، حيث أخبرهم بأن الله قد اختارهم واصطفاهم من بين العالمين، وجعل أرض فلسطين لهم، وما عليهم إلا طرد وإبادة سكانها الكنعانيين وغيرهم”.

ويختم “فإن آمن المؤمن بشكل أعمى بما جاء في هذه الكتب، فما عليه إلا الطاعة أليس كذلك؟ إنني أتساءل فقط”.

15