لا تعتذر عمّا أصبت

تنظيمات الإخوان المسلمين نوع من حصان طروادة لتنفيذ نظرية إعادة دول المنطقة إلى مكوناتها الأولى.
الأحد 2021/02/07
الإعلام القطري يحشد ضد معارضيه

بعضنا تأخذه الحمية أكثر ممّا يجب حيال من لا تأخذه الحمية أصلا. لنتعلم من ذلك أن هناك سبيلا واحدا لمواجهة الغطرسة، هو الترفع.

من تأخذه العزة بالإثم لا يستحق أن تأخذك به سماحة. دعه يتلظى بما صنع.

المصالحة الخليجية دفعت بعض الكتاب والصحافيين العرب إلى طي الصفحة مع قطر احتراما لموقف تبنته حكوماتهم، أو أملا بأن تعود المياه إلى مجاريها بين إخوة أجبرتهم الظروف على أن يفترقوا، ثم أجبرتهم الظروف على أن يعودوا ليلتقوا مجددا.

شيء من مكارم النفس يبقى مهما، ذلك أنك عندما تترجل عن حصانك العالي، فلأنك لا تريد أن تواصل نزاعا اتفقنا أو اتفقت حكوماتنا على الأقل على أنه لا ينفع، وأن الوقت قد حان للسير في اتجاه آخر.

هذا لا يشمل قطر، أو بعضها على الأقل، ممن لا يريد أن يترجل. فالمصالحة الخليجية لم تكن إلا هامشا في السلوك السياسي لم يصدر عن قناعات فعلية بأن المسالك التي سلكتها البلاد كانت ضارة بالأخوة الخليجية، ضارة بالتضامن العربي، وضارة بمنطق الحكمة أصلا.

لقد بنت هذه البلاد طموحاتها بتوسيع النفوذ على مشروع أيديولوجي، واندفعت به على ارتباط واضح بأجندات خارجية تستهدف تمزيق المنطقة والسعي لـ”إعادة بنائها” إنما على أساس “إعادتها إلى مكوناتها الأولية”. ولئن بدأت البداية من هدم الدولة، فذلك لم يكن هو منتهاها.

كانت تلك هي نظرية “المحافظين الجدد” أيام كان دونالد رامسفيلد (وزير الدفاع الأميركي الذي قاد غزو العراق) وديك تشيني (نائب الرئيس الأميركي الأسبق) ونيوت جينغريتش (رئيس مجلس النواب الأميركي الأسبق) هم أبطال اللعبة. والعراق كان هو هدف التجربة الأول. وإذا شئت أن تأخذ الأمور من نهاياتها، فها هي أمامك: بلد ممزق وحكومة فاشلة، ونظام قائم برمته على سيبة من ثلاث أثافيّ: الطائفية، الفساد، والإسلام السياسي.

مصر لم تكن “على وشك”، لأنها كانت غارقة في المستنقع نفسه، وذلك عندما تصدر الإخوان المسلمون المشهد، وقادوا البلاد إلى حافة الإفلاس، والفشل الاقتصادي، والتصدع الاجتماعي الذي غذته تفجيرات الكنائس، (أم نسينا؟).

كان المشروع هناك هو أن يعود 100 مليون مصري إلى “مكوناتهم الأولية”، ليكتشفوا أنهم قبائل متناحرة، على دين أو مذهب أو أصوليات أشد توغلا في استدعاء “الأصول”.

سنة واحدة كانت تكفي لتضع مصر رفاعة الطهطاوي وعباس العقاد وطه حسين ونجيب محفوظ وعلي عبدالرازق وسلامة موسى ونخبة لا حصر لها في الفكر والفن والأدب، تحت رحمة أبوالأعلى المودودي، وابن تيمية، وحسن البنا ومحمد مهدي عاكف صاحب نظرية “طز في مصر”.

قطر كانت هي الممول الرئيسي، لكي لا نقول الوحيد، لانقلاب الانتفاضة ضد نظام الرئيس بشار الأسد من حراك وطني يطالب بالحرية، إلى عمل مسلح يتولاه جهاديو جماعة الإخوان، ويتصدرون به مشهد “المعارضة الوطنية”، بينما يعرف السوريون أن بين هؤلاء وبين “الوطنية” ما لا سبيل إلى قياس المسافة فيه. ولئن تحول الصراع إلى ثأر من ثأر، فقد رد الثأر بأسوأ مما يمكن للثأر أن يفعل، حتى أصبحت البلاد خرابا تنعق فوقه البوم، وما من سبيل أمامها لتخرج منه.

مشروع تدعمه قطر لم ينته بعد
مشروع تدعمه قطر لم ينته بعد

كل ذلك كان ثمرة لمشروع يجعل تنظيمات الإخوان المسلمين نوعا من حصان طروادة لتنفيذ نظرية “إعادة دول المنطقة إلى مكوناتها الأولى”.

فلكي تنشأ أنظمة ديمقراطية، حسب تلك النظرية، فقد كان يجب أن يُعاد، ليس تفكيك الدولة، بل تفكيك المجتمع نفسه، وتعريته من اعتباراته الوطنية التي نشأت مع نشوء دولة الاستقلال، ليعود مجتمعا تتناحر قبائله وطوائفه ومذاهبه مع بعضها البعض. وفي الطريق إلى ذلك، فإن هناك بقايا ثروات يتعين أن تُنهب، وصعاليك يتصدرون السلطة ليقيموا أنظمة فساد، ومنظمات “مجتمع مدني” تباع وتشترى في سوق نخاسة الضمائر.

قطر وقفت خلف هذا المشروع، ومولته، ليس بالمال فقط، وإنما بالسلاح والدعم اللوجستي، بل وتدابير المؤامرة أيضا. وعلى سبيل المثال، فلكي تدفع لتنظيم جبهة النصرة 20 مليون دولار يحتاجها لكي يواصل “النضال” بدماء السوريين، فقد كان يكفي القيام بوساطة “إنسانية” لإطلاق سراح محتجزين أجانب. تدابير من هذا النوع هي التي جعلت “النضال” عملا يوميا من أعمال القتل الوحشي.

الاعتقاد السائد هو أن نظرية “إدارة التوحش” التي أعدت لتكون أساسا منهجيا لكل الجرائم التي ارتكبها تنظيم داعش، كتبها شخص يدعى أبوبكر ناجي.

لا يهم من كتب. الحقيقة هي أن تمويل ودعم جماعة الإخوان، هو الكاتب الحقيقي لذلك المنهج. فالواضح والمعلوم والمُثبت هو أن هذه الجماعة هي مصنع التفريخ الذي لا ينضب لكل الجماعات الجهادية التي عرفتها المنطقة.

وقطر، برغم المصالحة، لم تتراجع عما كتبت. هذا هو الواقع، إذا شئت أن تسمي الأشياء بأسمائها. فهي لم تتخلّ عن شيء مما فعلت. ولئن ظلت قادرة على المناورة فيه، أو التغطية عليه، فإن السجلات ومؤدياتها ما تزال تفعل الفعل نفسه.

بعض الكتاب والصحافيين ممن غلبتهم الحمية وسادهم الأمل، أخذتهم الغيرة على وحدة بلدانهم وصواب مقاربتها السياسية، إلى الحد الذي قرروا فيه التسامح، فانتهوا إلى مغازلات تنشد الألفة والوداد، مع من تغلظ قلبه. فهب ليرد عليهم بالقول “لن نسامحكم، ولن نغفر لكم”.

المصالحة المدفوعة بأغراض التسويات الفوقية لم تكن لتشمل التسامح، لأنها لم تكن تعبيرا عن رغبة بتغيير المسالك، وإنما بالالتفاف عليها.

لم يكن انتقاد تلك المسالك خطأ. وفي الواقع، فإن الحاجة إلى كشف عواقبها المدمرة تظل ضرورية حتى لو تحقق تغيير يعلن التخلي عن المشروع برمته، من أول المحافظين الجدد، إلى آخر الإخوان المسلمين. على الأقل لأن عشرات الملايين ما يزالون يدفعون مُر الثمن، ولأن التهديد ما يزال قائما، ولأن البحث عن فرصة لإعادة بناءٍ حقيقية ما تزال تتطلب جهدا هائلا وتضحيات جسيمة وصبرا أبعد من صبر أيوب على الفقر والتخلف، وعلى معرفة الطريق للخروج منه أصلا.

أحد أهم الانتقادات هي أن دولة خليجية تتورط في مشروع أيديولوجي عملٌ يجسد، بحد ذاته، حماقة تاريخية. ليس لأن الطبيعة الخليجية لا تتحمل ذلك فحسب، بل لأن دول المشاريع الأيديولوجية نفسها سقطت من رفوف التاريخ أيضا.

فبماذا أخطأت لكي تعتذر؟

وهل ترجل الآخر من حصانه لكي تقابله بشيء من مكارم النفس؟

الصحافيون والكتّاب الذين تريد قطر أن تواصل ملاحقتهم، تعلموا الدرس بأفضل مما يمكن للتعلم أن يكون: لا تعتذر عما أصبت.

4