لا تعرفوا كل شيء

الثلاثاء 2018/01/30

“هو الذي رأى كل شيء فغني بذكره يا بلادي/ هو الذي عرف جميع الأشياء وأفاد من عبرها/ هو الحكيم العارف بكل شيء”.

بعد هذه المقدمة المفعمة بالإطراء يتقدم كاتب الأبيات من البلاد كلها طالبا أن تغني مرة أخرى باسم كلكامش الذي رأى وعرف كل شيء. وقد نصبت نفسي معنيا بهذا النص لأنه يطلب مني أن أغني باسم كلكامش. طلب الغناء موجه إلى بلاد ما بين النهرين كلها، وباعتباري منها صرت معنيا.

لا أريد للناس أن تصدق أن معرفة كل شيء تعد أمرا جميلا يستحق الاحتفال. اعتراضي يقوم على أساس أن من رأى وعرف كل شيء لا يستحق التمجيد بل لا يستحق الحياة، حين ترى وتعرف كل شيء لا يبقى في سبيلك سوى الموت. قليل من الجهل يديم النعم ويجعل للدنيا مقصدا ومراما ويبقي على شيء أو أشياء نصبو إليها.

من يريد أن يعرف كل أنهار الدنيا؟ من يريد أن يلمس كل أشجار العالم؟ من يريد أن يعرف كل الوجوه وكل العواطف وكل الفواكه وكل شيء؟ نعيش من أجل أن نعرف شيئا جديدا. لذة الاكتشاف لا تعوض ومن رأى وعرف كل شيء فقدها إلى الأبد.

كنت أعرف اسم ناقد أدبي إنكليزي (نسيته الآن) وهو رجل ديكنزي، يعني مولع بتشارلس ديكنز. وقد قرأ كل ما كتبه الأديب الفيكتوري الكبير. قرأ حتى ما كتبه عندما كان مراسلا برلمانيا صغيرا.

قرأ مقالاته ورسائله فضلا عن رواياته طبعا، لكني سمعته يكشف للجمهور أنه لم يقرأ إحدى رواياته الكبرى. لم يقرأ Bleak House، وقد فعل ذلك متعمدا، يقول الناقد هذا إنه إذا قرأ Bleak House فلن يبقى لديه ما يتطلع إليه وتصير أيامه رمادية كالحة.

لا شيء أدعى إلى الكآبة أكثر من الإحساس أنك بلغت كل شيء.

في التسعينات ظهرت في أوساط المراهقين أقراص مخدرة يفترض أن تجعل متعاطيها يحس أنه بلغ كل شيء وأنجز واكتمل وهو الآن سعيد، لكن الذي حصل أن عددا من متعاطيها انتحروا بالضبط لأنهم أحسوا أنهم بلغوا كل شيء ولم يعد لديهم ما يصبون إليه.

مثل الناقد الإنكليزي، محب ديكنز الذي نسيت اسمه، اتخذت منذ زمن قرارا مازلت متمسكا به.

أحب عبدالوهاب مثل ما يحب هو ديكنز. لذلك قررت ألا أسمع “من غير ليه” لكي يظل عندي شيء من عبدالوهاب لم أسمعه وبهذا تصير أيامي حلوة.

24