"لا تقل إننا لا نملك شيئا" رواية كندية عن تاريخ الصين

كتابة رواية تاريخية لا تعني تقيد الروائي بكل تفاصيل التاريخ بقدر ما تهتم بإضفاء حياة ومسارات سردية متشابكة تجعل من التاريخ مادة لكشف العمق الإنساني، فلا تكتفي بنقل الأحداث، كما يفعل التأريخ، بل تضعها في مسارات متنوعة وتلاحق تفاصيلها وتأثيراتها، ما يجعل من الرواية التاريخية النافذة المثلى للإطلالة على التاريخ.
السبت 2017/05/06
الرواية كانت ضمن اللائحة القصيرة لجائزة المان بوكر

“لا تقل إننا لا نملك شيئا” هي الرواية الثالثة للكاتبة الكندية مادلين ثين الحائزة على جائزة الحاكم العام الأدبية عن الرواية عام 2016. والجدير بالذكر أن الرواية كانت ضمن اللائحة القصيرة لجائزة المان بوكر، وأيضاً ضمن لائحة جائزة سكوتيا بانك غيلر.

قدمت الكاتبة الحكاية بطريقة سردية دقيقة لتصور لنا ملحمة عائلة متعددة الأجيال، عاشت في الصين خلال الثورة الثقافية لماوتسي تونغ في منتصف القرن العشرين (عام 1966)، وخلال الفترة التي أقر فيها الزعيم الشيوعي الصيني ما أصبح يعرف باسم الثورة التي دعا فيها إلى تطهير المجتمع الصيني من العناصر التي ينعتها بـ”النجسة”، وإلى إحياء الروح الثورية التي أدت إلى النصر في الحرب الأهلية وتشكيل جمهورية الصين الشعبية.

تتشابك القصة في نقاط زمنية مختلفة مع التركيز على فترات حاسمة في التاريخ الصيني لتقدم ثلاثة أحداث تاريخية محورية: القفزة الكبرى إلى الأمام (1958-1961)، والثورة الثقافية (1966-1976)، واحتجاجات ميدان السلام السماوي أو ساحة تيانانمين وقمعها الوحشي عام 1989 في بكين. وقد ظهرت الأحداث الثلاثة في القصة تفاصيل مختلفة أهملها التأريخ العادي لتلك الفترة والتقطتها الرواية بحبكة وخيال سرديين.

كانت القفزة الكبرى إلى الأمام إشارات إلى المأساة التي جاءت نتيجة سوء إدارة على المستوى الوطني والتي أسفرت عن تجويع الملايين من الناس. كما تطرقت الرواية إلى تفاصيل وأهوال “الثورة الثقافية”، التي وقعت خلالها ممارسة الاضطهاد والتعذيب والإعدام التعسفي وغير المبرر، على الكثيرين، لتتطرق الرواية وهي تتبع مسيرة هذه العائلة إلى احتجاجات ميدان تيانانمين والقتل بالطرق القاسية، لتحيلنا إلى الكلاسيكيات الأدبية الصينية مثل رومانسية الممالك الثلاث. اللافت أن الرواية تتضمن إشارات زمنية تحيل دائماً إلى زمن مرجعي يسكن خلف الحكايات جميعا، في دلالة على مرجعيتها الواقعية رغم أنها قائمة على الخيال.

تبدأ القصة من منظور العصر الحديث من خلال الراوي الرئيسي، ماري التي كان اسمها الصيني لي لينغ، عالمة الرياضيات الأكاديمية في فانكوفر كولومبيا البريطانية، التي أجُبرت هي ووالدتها على الهرب من الصين، فى عام 1989 عقب القمع الوحشي الذي انجر عن احتجاجات ميدان تيانانمين. ونلفت هنا إلى أن مادلين ثين أتقنت بناء شخصيات لا تنسى، شخصيات هي على التناوب متشددة وعنيدة، حالمة ورقيقة، حمقاء وحكيمة، وفي قصصها كلها ما يمكن وسمه بالملحمة.

تسعى ماري لملء الفجوات الهائلة في معرفتها من تاريخ عائلتها في الصين، والدها الموسيقار الملحن كاي الذي اختفى في ظروف غامضة وقال البعض إنه قتل نفسه في هونغ كونغ ،عندما كان عمرها عشر سنوات، لتتبع القصة ذهابًا وإيابًا عبر أكثر من سبعة عقود من التاريخ، لتجمع قصة والدها وبطريقة تسلسلية تستدرج القارئ إلى الأحداث المحورية التاريخية التي تقوم عليها القصة، حيث تحاول رسم ملمح لعائلتها في بحث دؤوب عن الجذور.

تلعب الموسيقى دوراً رئيسياً في الرواية مركزة على ثلاثة موسيقيين موهوبين تأثرت حياتهم بعمق التحولات السياسية في الصين، مع الإشارة إلى العديد من الملحنين والمؤلفات الكلاسيكية، ليتم عرض الأحداث الكارثية من وجهة نظر الفنان، فنرى تأثير الصراعات السياسية على عملهم وحياتهم، وعلى الموسيقيين الآخرين كذلك.

الرواية رغم أنه يمكن إدراجها ضمن ما يعرف بالرواية التاريخية فإن السرد وليد خيال الكاتبة. وهو ما منح حياة للأحداث التاريخية التي يستند إليها ويحاول كشفها. فبقدر ما يقتبس السرد من وقائع التاريخ يقتبس كذلك من القصص الخيالية، من خلال ترابط الشخصيات، والهدف من ذلك تقديمه بحبكة ذات مستويات متعددة؛ فالرواية لا تعامل حينئذٍ بوصفها مجرد حكاية بل بوصفها مصدراً لمعطيات تمزجها المؤلفة لتنسج التاريخ بمهارة وتجعله في صورة حية، أو يعيد مزجها بمعطيات أخرى في سلسلة أو متوالية جديدة، ليدمج شخصياتها في نسيج واحد.

17