"لا تقنطوا من رحمة الله"

السبت 2014/07/19

أصبح التطرف، بجميع أشكاله هو الصورة الأكثر شيوعاً في واجهات الحياة الاجتماعية هذه الأيام؛ التطرف في الآراء والتطرف في الظلم وسوء الظن وفي أساليب العبادة ونصائح (رجال الدين) الذين تركوا أصول ومنابع الرحمة والتسامح في الدين الحنيف، وتشبثوا بأسمال الجهل لترهيب عباد الله وتخويفهم من العقاب الذي ينتظرهم بعد الموت، وكأن المعاناة من الفقر والجوع والحروب والصراعات لا تكفي.

يظهر علينا هؤلاء وهم يتوعدون ويلوحون بأسلحة الحلال والحرام في وجه الناس المغلوبين على أمرهم دون رادع ديني أو أخلاقي، حتى لم يتركوا نافذة واحدة مفتوحة على أمل النجاة، ولم يفسحوا طريقاً واحداً للمغفرة، فأمست عناوين خطبهم مشاهد مكررة من أفلام رعب.

الجميع في نظرهم – من دون استثناء- متهمون وإن لم تثبت إدانتهم، وحين يلتحف رسل الموت هؤلاء منابرهم وينصبون محاكمهم الدنيوية ويصدرون أحكامهم التي لا نقض فيها، يصبح طريق التوبة كأنه معبّد بالألغام؛ فلا صلاة ولا صوم ولا زكاة ولا صدقة ولا دمعة ندم، كفيلة بالرجوع إلى طريق الخلاص. في مشهد مؤثر، يظهر رجل (دين) وهو غارق في دموع الأسى والندم وهي مقدمة عاطفية أثبتت نجاحها حيث تمهد في العادة لخطاب ترهيبي غير عاطفي. وحين تنتهي (وصلة) الدموع، يسترد الشيخ عافية تطرفه ليتوعد أهل الدنيا بعذاب أهل القبور وندمهم لأنهم لم يستمعوا ولم يعوا، حين غفلوا عن عباداتهم وفضلوا عليها أعمالهم ومصالحهم الدنيوية، وهم في غفلتهم تلك خسروا دنياهم وآخرتهم ونسوا الموت الذي يقف –دوماً- بالمرصاد.

ورجل (الدين) هذا الذي يلوم الناس على قتل ساعات طويلة من يومهم في عمل يكفيهم وأبناءهم شر الحاجة، يقضي معظم وقته في العبادة والاستغفار لينتظر رزقه في آخر النهار من دون تعب أو مجهود، لقاء عمله في ترويع المساكين والفقراء، حين يكد هؤلاء المساكين ليدفعوا له لقاء تذكيرهم بأهوال يوم الحساب وعذاب القبر.

وهم في حيرة من أمرهم، يتساءلون: ترى، كيف تسنى لهذا الرجل المنتحب معرفة ما لا يُعرف وكيف صار يطلق أحكامه جزافاً ولا دليل يمسك بتلابيبه؟ فهل سمعنا يوماً عن امرئ رجع من الموت سالماً ليحكي لنا عن الساعات واللحظات الضالة، التي قمعت حقه في مغفرة كان ليستحقها لو لا تدخل الشيخ (الجليل)؟.

الحياة والممات والثواب والعقاب وقف على خالق رحيم بخلقه كريم في محبته، فلو لا الرحمة والتسامح والمغفرة لما تسنى لمؤمن عبادة، ولولا وعد مقطوع للخالق زينه لعباده الخاطئين في كتب مقدسة، لقضى الناس أيامهم في خوف ورعب وشدّة في انتظار مصير مجهول مزين بأهوال لا قبل لهم بتخيلها.

الإسلام دين محبة وتسامح، وثوان قصيرة من الندم والتوبة بعدد سنوات العمر. غفل الشيخ وهو منشغل في كفكفة دموعه، عن صور جميلة ومعان مبهرة صورها القرآن الكريم في التسامح والرحمة؛ فحين نتأمل ملياً في الآية الكريمة من سورة الزمر: “قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله أن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم”.

نرى العديد من هذه المعاني الجميلة، وقيل أن الآية الكريمة، كما ورد في تأويلها، إنما نزلت على أناس من أهل الجاهلية، كانوا أصابوا ذنوباً عظيمة فلما جاء الإسلام خشوا أن لا يغفر الله لهم هذه الذنوب لكثرتها وفظاعتها، ولهذا حاول المشركون صدهم عن الانضواء تحت راية الإسلام، وذلك بتذكيرهم بذنوبهم وما ارتكبوه من معاصي وباستحالة غفرانها. وهكذا نزلت الآية وفيها معنى واضح لقبول التوبة، حيث يغفر الله سبحانه وتعالى الذنوب جميعاً لمن تاب منها ورجع عنها مهما كانت أو كثرت.

ويذهب المفسرون وأهل العلم للإبحار مطولاً في المعاني والكنوز والتأويلات التي تحتويها الآية الشريفة؛ وأهمها هذا النهي الواضح عن اليأس أو (القنوط) من رحمة الله، فاليأس قد يدفع الناس إلى التخلي عن أهدافهم في الحياة وإيمانهم بالخالق.

لذلك، وصل بعض المفسرين إلى وجوب تحريم (القنوط) في صريح العبارة اعتماداً على البناء اللغوي الذي جاءت به في الآية الكريمة؛ حيث يسبق كلمة (تقنطوا)، تعبير ( لا ) بمعنى النهي الصريح وكل ما ينهى عنه القرآن هو من المحرمات. ثم، يرى بعض الفقهاء بأن كلمة “جميعاً” بقوله تعالى “إن الله يغفر الذنوب جميعاً”، تأتي أيضاُ توكيداً لفظياً دالاً على معنى واضح ومقصود، فجميع الذنوب بإذن الله وبتوبة الإنسان مغفورة يعني انتفاء الاستثناء، عدا الشرك بالله. وطبعاً، فإن شيخنا (الباكي) مشمول بالرحمة والمغفرة بإذن الله، شرط أن يتوب ويستغفر ويحرر أعناق عباد الله من عبودية الخوف والأهم من ذلك، أن يكفكف دموعه حتى تتضح الرؤيا، فالطائر الأعمى لا يمكنه أن يجيد الغناء، والله من وراء القصد.

21