لا تكبسوا أزرار الروح

الأربعاء 2017/02/08

أثار انتباهي مقال قرأته للكاتبة ماديسن تايلر تتحدث فيه عن “أزرار أرواحنا”، وقد أحالني المقال إلى كل الجروح الخفية التي تراكمت في الروح وآن الأوان لمداواتها. تقول الكاتبة “حينما يصر أحد ما على الاستمرار بالضغط على أزرار أرواحنا فلا بد أن نقول له كفى لأن تصرفه هذا لم يعد مرحبا به”.

مما لا شك فيه أننا جميعا مررنا يوما بحالة من الوجع حين يكبس أحد ما على زرّ من أزرارنا الخفية إلى الحد الذي يفقدنا الاحتمال. ولا شك أننا في يوم ما كنا كبسنا بقصد أو بغير قصد على أزرار الآخرين الخفية. قد لا يكون من يضغط على مفاتيحنا واعيا بما يفعله، لكنها في النهاية مفاتيحنا نحن، ونحن المسؤولون عما يسببه ذلك الضغط وعن كيفية التعامل معه.

أحيانا يفاجئنا شخص ما، وهو ينقضّ علينا بشراسة، متهجما أو صارخا، ويتضح بعد ذلك أننا ضغطنا على جرح فيه لم نكن لنعلم بوجوده. قد يكون شخصا غريبا يصادفنا في الشارع أو الأماكن العامة، وقد يكون شخصا قريبا منا جدا ولم نكن قد حدسنا موضع الجرح فيه. وأيضا قد نكون نحن أنفسنا على علاقة وثيقة بأحد ما ونكون قد اعتدنا بلا سبب واضح أن نكبس مفاتيحه السرية لغاية ما في أنفسنا، أو بحسن نية وبقصد المساعدة في مداواته.

ولكن هيهات، فكل منا أدرى بجروحه الخفية وأعلم من أي أحد بمفاتيح روحه. فما هي إلا نقاط ضعف متأصلة في دواخلنا منذ طفولة مبكرة ربما، أو ذات حادث أو مشهد مريع بقي محفورا فينا، أو قد تكون آثارا لأزمة نفسية أو عاطفية لم تكن قد شفيت بعد. وإذ نعتقد أحيانا أننا نجحنا في التجاوز والانغمار في تفاصيل الحياة على الـرغم من وجودها فينا، إلا أنها مع هذا تبقى جروحا رقيقة قابلة للفتح والنزف ما إن يمسها أحد. وفي هذه الحال يغدو الجرح غير قابل للتعافي بسهولة، ولا يحق لأحد أن يعتدي عليه، أو أن يكبس الزر الذي يرمز له ويُذكي نار ألمه.

وأيا ما كانت الحال، فإن الشخص الوحيد الذي يتطلب منا الانتباه والعناية هو نحن، وليس الآخر الذي كبس الزر بقصد أو دون قصد. ولن يجدي بأي حال أن نضع اللوم عليه، لأن ذلك سيحول دون اهتمامنا بأنفسنا وسيعتـّم رؤيتنا وبحثنا عن الحلول الممكنة لما نعانيه. وفي الوقت نفسه فإننا إذا وجدنا أن ثمـة من يصرّ أن يكبس مفاتيح ألمنا باستمرار، إلى ذلك الحد الذي يحول دون أن يجد الجرح طريقه للتعافي، فمـن الأجـدر والأجــدى أن نضع حدودا دونه. فهو غير مرحب به في عالمنا الخــاص وذلك حـق طبيعي لا أحد يمكن أن يلومنا عليه.

وفي نهاية المطاف فإن معرفة أماكن المفاتيح والأزرار التي تخصنا هي أول طريق التعـافي. وكلمـا فهمنا وعرفنا قيمتها ومعناها كلما ساهمنا في التقليل من ألم ضغط الآخرين عليها وكلما أصبحت تلك الأزرار والمفاتيح أقل حساسية. وسنتنفس الحرية والقوة ما إن نتعامل بحكمة مع ذلك الألم الذي تفضي إليه، وبذلك سنقطع حبل الاتصال الخفي الذي يجعلنا نتوجع تلقائيا ما إن يمسّ أحد مفاتيح أرواحنا.

صباحكم عافية..

شاعرة عراقية مقيمة في لندن

21