لا تكتمل إبادة البشر إلا بحرق الكتب

كتاب "إبادة الكتب: تدمير الكتب والمكتبات.." يقدم نماذج لهذه المأساة التي حلت بالمكتبات والكتب جرّاء هذه الحروب التي كشفت عن أيديولوجيات عنصرية حدّ التطرف.
السبت 2018/08/11
النازيون دفعوا الأطفال إلى إبادة الكتب

لم تقف جرائم الحروب والصراعات في العالم بين القوى العظمى، والتي نشبت في مطلع القرن العشرين ولم تتوقف مع نهايته، عند حدّ الإبادات الجماعية أو التهجير والدمار اللذان أحدثتهما، وإنما شملت أيضا واحدة من أبشع الجرائم في تاريخ الإنسانية تمثلت في إبادة الكتب وحرق المكتبات، وهذا المسعى الخطير كان هدفه انتزاع الهويات والقضاء على التراث الثقافي الذي هو بمثابة محو لتاريخ البشرية وتراثها والحطّ من إنسانيتها.

تأتي أهمية كتاب “إبادة الكتب: تدمير الكتب والمكتبات برعاية الأنظمة السياسية في القرن العشرين” من تأليف الكاتبة ربيكا لوث وترجمة عاطف سيد عثمان، من كونه يمثل حافظة لجرائم إبادة الكتب أو ذاكرة إدانة لهذه الجرائم التي ترافق أغلبها مع نشوب الحروب والنزاعات في ما يشبه محوا ثقافيا أشد خطورة من الانتهاك الجسدي على بشاعة كليهما.

دكّ الحصون

يقدِّم الكتاب الصادر مؤخرا عن سلسلة عالم المعرفة بالكويت، نماذج لهذه المأساة التي أحلّت بالمكتبات والكتب جرّاء هذه الحروب التي كشفت عن أيديولوجيات عنصرية حدّ التطرف، حيث لم تسعَ إلى المحو التام وما يمثله فعل المحو من القضاء على الجنس البشري وثقافته فقط، وإنما يقدم إدانة كاملة لهذه المجتمعات التي تدّعي الحضارة والمدنيّة، وإن كانت في حروبها مارست بربرية لا تقل عن بربرية العصور الوسطى.

الشواهد التي تشير إليها المؤلفة لا تقف عند إحصائيات لما ارتكب من فعل تدمير، وإنما هي أشبه بدراسة حالة ثقافية، تؤرخ لكل المآسي التي اُرتكبت في حق التراث الإنساني، وكان آخرها ما أحدثه صدام حسين في حقِّ جارته الكويت حيث وصل ما دمرته قواته إلى أكثر من مليون كتاب أطفال وكتاب تعليمي، كما بدأ في تفكيك المكتبات العامة ونهبها، وهي العملية التي فقدت فيها المكتبات 133199 مجلدا أو نحو 43 بالمئة من محتوياتها، علاوة على الدمار الأكبر الذي لحق بالمكتبات الأكاديمية.

ورغم التأكيد على الحروب والصراعات كعامل أساسي من عوامل إبادة الكتب، إلا أن المؤلفة تلفت أيضا إلى عامل آخر يرتبط بطبيعة الكتب باعتبارها أشياء مادية هشة، حيث تعرّض قرابة مليوني كتاب للتلف؛ جراء الفيضان الذي تعرضت له فلورنسا عام 1966، كما التهمت النيران في عام 1988 زهاء 3.6 مليون كتاب بمكتبة أكاديمية العلوم في لينينغراد.

العنف الثقافي وجرائم إبادة الكتب
العنف الثقافي وجرائم إبادة الكتب

وتؤكد الكاتبة أن وراء كل جريمة من هذه الجرائم، التي تصفها بأنها إبادة، هناك نزعة أيديولوجية فاشية، تشير إلى عقيدة يتساوى فيها القادة الطغاة، وهي الميل إلى التدمير والمحو، ومن ثم لا تقل جريمة إبادة الكتب عن جرائم الإبادة الجماعية والإبادة الإثنية.

وجاء الكتاب في تسعة فصول، بعض هذه الفصول كانت بمثابة قراءة ثقافية لنشأة المكتبات ووظائفها، فثمة علاقة وطيدة بين المكتبات من جهة والتاريخ والذاكرة الجمعية وأنساق المعتقدات القومية والتطوير المجتمعي من جهة أخرى. وأيضا الكتب والمكتبات وظاهرة الإبادة الإثنية.

وعن وظائف المكتبات تقول المؤلفة إن محتوى الكتب مرآة للاحتياجات الاجتماعية والثقافية للمجتمعات. كما أن للمكتبات مهمةَ المشاركة في منظومة شبيهة بالشبكة لإنتاج المعلومات وتخزينها ونشرها. ويزيد هذا الدور في المنظومة الحديثة لمعالجة المعلومات، حيث تمثّل المكتبات حلقات ربط تُقدّم معلومات أساسيّة تخدم بقاء الجنس البشري على المدى البعيد. كما تعدُّ المكتبة حصونا ضدّ الاندثار الثقافي، فصارت أرفف المكتبات أشبه بسدنة التراث الثقافي، أي ذاكرة جمعية للشعوب والثقافات. فدون هذه السجلات تفقد المجتمعات التقليدية الاتصال بماضيها الثقافي.

كما تتمتع المكتبات بأداء أدوار فعّالة في دعم أو مواجهة أنساق المعتقدات الأساسية. كما أن المكتبات ممثلة لقوة الحقيقة وسلطانها والتفكير الحر والسلطان المطلق للعقل. كما تعزز المكتبات الهوية القومية وفي الوقت ذاته تُعزز مجالا كاملا من مفاهيم الهُوية تتراوح بين الإثنية والدين والثقافة الإقليمية والمحليّة، والوعي بأساليب تقاطع ثقافة مع غيرها من الثقافات.

تدمير ممنهج

على مدار فصول خمسة من الكتاب تقدّم المؤلفة نماذج لعمليات الإبادة للكتب والمكتبات، ومع أن العرض تاريخي في بعض جوانبه، حيث تتطرق للظروف التاريخية والسياسية لتلك البلدان التي حدثت فيها هذه الجرائم، كما فعلت ألمانيا النازية، وما حدث في البوسنة من عنصرية الصرب، والثورة الثقافية وما فعلته في الصين، كذلك ما فعله العراق في الكويت.

إلا أن الكاتبة استطاعتْ أن تقدّم بعرضها الملامح الرئيسيّة لهذه البيئات والعوامل والظروف التي حلّت وجعلتها مرتعا لعمليات تخريب، وكأنّها بهذا الاستقصاء أرادتْ أن تجيب عن أسئلة مهمة من عيّنة: ما الظروف الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية المؤثرة التي وجدت فجعلت أيديولوجيا ما ونظاما سياسيا معينا مقبولين بالنسبة للجماهير؟ وأيضا كيف استغل النظام السياسي الأيديولوجيا باعتبارها أساسا لسياسات وبرامج تسلطية وشمولية؟ وماذا كان مصير المفكرين والبحث المعرفي والتاريخي في ظل نظام سياسي معين؟ وصولا إلى السؤال المهم: ماذا كان تصوُّر النظام السياسي لوظيفة الكتب والمكتبات؟ ولماذا استهدف بالإضافة إلى الجماعات المرتبطة بها؟ وكيف وإلى أي مدى أُبيدت الكتب؟ ومصالح مَن التي خدمت. وكيف سوّغ أيديولوجيا؟

وعن أسباب تدمير المكتبات تقول المؤلفة إن هذا الفعل ينطوي على محددات كثيرة بسبب تفاعل قوى عديدة، وفي الواقع فإن تراكب العوامل المؤثرة والظروف الفوضوية غالبا ما يجعل من الصعب تحديد ما إذا كان التدمير غير مقصود أم متعمدا، ومع هذا فالتدمير المنهجي يجب أن ينظر إليه بوصفه متعمدا ومنسقا على نحو نسبي على حدّ تعبيرها. وقد يكون التدمير داخليا ويتراوح هذا بين أعمال الرقابة على المطبوعات غير المثيرة للجلبة أو الصخب وبين العدوان المتمثل في التخريب أو الإرهاب أو الاضطراب الأهلي أو الحروب الأهلية أو الإبادة الجماعية. أما النوع الثاني فيكون خارجيا وهو أثر مِن آثار الحرب أو الغزو.

نماذج من التاريخ للمأساة التي حلت بالمكتبات والكتب جراء الحروب التي كشفت عن أيديولوجيات عنصرية حد التطرف

تشير المؤلفة إلى أنّ التدمير الداخلي الكبير يحدث عندما يبدأ نظام حكم سياسي جديد بمراقبة المطبوعات وتطهير الثقافة. وقد يتفاقم هذا التطهير ليصبح محوا لمواد تخص جماعة مستذلة بعينها. وبالنسبة إلى التدمير الخارجي، فتشكّل النزعة القومية المتجلية في سياسات إمبريالية أو عسكرية عدوانية أو عنصرية أو كلها مجتمعة دافعا مهيمنا للتدمير على يد اليمين السياسي، على نحو ما حدث من تدمير لمكتبات على أيدي القوميين مثل النازيين والصرب، وبيد الشيوعيين كما حدث في التبت.

ومع أن التدمير أثناء الحرب قد يحدث بسبب خطايا الإهمال أو الخطأ، حيث تقع المكتبات ضحايا عندما تضل القنابل طريقها أو تحتل القوات العسكرية مباني مكتبة كما حدث في الكويت من قوات صدام. فإن المؤلفة تؤكد على أنه دائما يقف العنف ضد الثقافة، وقد بدأ توظيف التدمير العمدي للمكتبات والموارد الثقافية الأخرى بوصفه واحدا من استراتيجيات الحرب في القرن العشرين في أثناء الحرب العالمية الأولى، عندما محا الألمان مكتبة الجامعة في لوفين ببلجيكا وعلى مدى ستة أيام من أعمال الحرق والنهب وأخذ الرهائن والإعدام، دمرت القوات الألمانية المدينة القروسطية ومكتبة تضم 230 ألف مجلد بما فيها مجموعة ضمت 750 مخطوطا قروسطيا وأكثر من ألف كتاب مطبوع قبل العام 1501.

ولم يختلف الأمر كثيرا في الحرب العالمية الثانية فقد كان الشعار مرفوعا وقتها “أن الحرب لا يمكن أن تُشن ضد مقاتلي دولة العدو فقط، بل يجب أن تسعى إلى تدمير الموارد المادية والفكرية الكاملة للعدو”. هكذا أصبح التدمير أكثر تنظيما عن الماضي، وصار العنف الذي يستهدف الموارد والمؤسسات الثقافية جزءا محوريا من الخطة العامة لفرض السيطرة.

وتضع الكاتبة عوامل عدة تُساعد في عمليات العنف ضد الكتب أو بمعنى آخر تُحرّض على عمليات المحو والتطهير الثقافي منها الأيديولوجيات، فأبواق الأيديولوجيات تخشى الكتب، فتصبح عملية إحراق الكتب أشبه بطقس احتفالي يبعث في النفس قوة، وهناك أيضا النزعة القومية وبالمثل العسكرية العدوانية والإمبريالية، فالإمبريالية تسعى عن طريق تعزيز التوسيع وزيادة الثروة والهيمنة، فينشأ العدوان الذي يكون مدفوعا بالقوة العسكرية وأخيرا العنصرية، وجميع هذه العوامل تُعزز من قوى المعتدي على الإبادة.

15