لا تكلف أميركا نفسها إلا وسعها: من دروس ثورة خائبة

الاثنين 2015/09/28

ليس بسبب أنّ بشار الأسد كان ذكيا وجيشه متماسكا وتحالفاته راسخة، وهذه معطيات تبدو نسبيّة في الأخير. وليس بسبب أنّ الولايات المتحدة الأميركية كانت ضعيفة وحساباتها ملتبسة ومواقفها غامضة، وهذه أحكام لا تخلو من بعض التسرّع. وليس بسبب أنّ دعم روسيا كان مبدئيا، ودعم إيران كان سخيا، ودعم حزب الله كان عمليا، وهذه توازنات تحتاج للنقاش.

وليس بسبب أنّ منظومة الظلم السياسي كان يجب أن تبقى على حالها إلى الأبد، حيث يخشى الجار من وشاية الجار، ويتوجس المواطن من دسائس المواطن، وتقتلع المخابرات أظافر أطفال صغار لمجرّد أن يكتبوا شعارا على حائط المدرسة، ويجد الأخ الأكبر نفسه في غياهب السجون فتطحن عظامه بسبب مقال كتبه الأخ الأصغر، ولعل استنتاجا كهذا لا يقبله العقل الأخلاقي للإنسان.

وليس بسبب أن الاستبداد المتسلط على البلاد والعباد هو القدر الأخير للشعب السوري وربما لكل العرب، وهذا افتراض لا يصمد أمام حقائق التاريخ.

لا، ليس بسبب هذا انهارت الثورة السورية التي انطلقت بنحو ملحمي مع شهدائها الأوائل، أنس الشغري وإبراهيم القاشوش وأحمد البياسي وغياث مطر وآخرون، ثم سقطت في جحيم الفتنة الدائمة، بل السبب أنّ الثورة وهبت نفسها منذ الليلة الأولى لتجار الغنيمة وشيوخ الفتنة وأقطاب الغلو فأغرقوها في حالة من الهياج الانفعالي الغوغائي، وسقط العقل سقطة مدوية، وأما أصدقاء الثورة فقد باعوا لها بعض الأوهام ثم باعوها أخيرا في أسواق النخاسة بأبخس الأثمان.

السبب في الأخير أنك لا يكفي أن تكون مظلوما بل يجب ألا تكون غبيا، وألا تكون مجرّد كائن غوغائي انفعالي يهيج الجموع ويهيج معها، يفجر الغضب وينفجر معه، يستصرخ الناس ويصرخ معهم، بل يجب أن تثبت بأنك كائن عاقل حتى في أسوأ الظروف.

لهذا السبب قال أفلاطون إنّ الحُكم يجب أن يكون للحكماء. ومعنى الحكم، صناعة القرار السياسي بشكل عام. وهذا مقتضى القول باقتضاب.

لقد سبق لليون تروتسكي في سنوات العشرين أو الثلاثين من القرن الماضي أن قال قولا استشرافيا بليغا: «إذا حدث أن انهار الاتحاد السوفياتي في يوم من الأيام، فلن يكون ذلك بسبب الأعداء، وإنما بسبب الأصدقاء الذين أخفوا عنه عيوبه وباعوا له الأكاذيب».

هكذا هو الحال دائما. لا يأتي الخطر إلا من حماسة الأصدقاء حين تكون الصداقة مجرد حالة انفعالية لا تدوم، أو لا تصمد، أمام تقلبات الأحوال.

ماذا فعل “أصدقاء” الشعب السوري لشعب عريق طالب بأعز ما يُطلب، الحرية، سوى أنهم حشروه أخيرا في الزّاوية الضيقة بين الفتنة والاستبداد: فلا بديل عن الاستبداد السياسي للحزب الوحيد والرّئيس الأوحد والأسطورة إلى الأبد، غير شريعة فقهاء عصور الانحطاط، شريعة الذبح والسّبي والرّجم والقطع والفتنة.

خياران قاتلان، إزاءهما فضل الشعب السوري أن يختار “الثالث المرفوع»: الهجرة. أرض الله واسعة. وإذا استمرّ النزيف بهذا النحو، سيأتي زمن تخلو فيه سوريا من السوريين، ولا يسكنها غير المرتزقة الوافدين لدعم الخيارات القاتلة.

هل قدمت الثورة أو قدم مختطفوها خيارا يُبقي على بصيص الأمل؟ هل كان زهران علوش قائد “جيش الإسلام” الذي باع للناس وهم “غزوة دمشق”، والمتهم باختطاف أربعة ناشطين حقوقيين ومعارضين مدنيين بارزين من منطقة دوما أواخر عام 2013 ، المحامية المعروفة رزان زيتونة والنشطاء وائل حمادة وناظم حمادي، سميرة خليل زوجة ياسين الحاج صالح، والمعروفين اختصارا بمخطوفي دوما الأربعة، فهل كان ذلك الوجه المتجهم وجها قابلا للتسويق لكي يمثل شعبا راقيا متحضراً مثل الشعب السّوري؟

يقال، حتى الثورة الرّوسية لم تخلُ من جرائم، وأنّ الغدر طال أبرز صانعيها، ليون تروتسكي مثلا، بل حتى الثورة الفرنسية شهدت سنوات من الرّعب المجاني والإرهاب العبثي، وقتلت أبرز رجالاتها، روبسبيير مثلا، لكن هل يمكن أن يكون “الشر” الذي حدث قد سبق أن حدث حتى يصبح طبيعيا ويكتسي مشروعية معاودة الحدوث، ومع من هذه المرة؟ مع الذين يدعون الطهارة أمام الله، وباسم الله؟ لكن إلى هنا قد يقال: متى كانت يد الله طاهرة بالفعل؟

نقول: الشرّ في كل مكان، هذا واضح، غير أن مجتمعاتنا لا تطرح السّؤال الأخلاقيّ حول الشر، نخبنا لا تطرح السؤال: ما العمل لكي لا يتكرر هذا مرّة أخرى؟ فنحن نمارس الفعل اللا أخلاقي أو لا نمارسه لكن على طريقة من ابتلي منكم فليستتر. المهم ألاّ نناقش، والأهم أن ننسى.

بعد زمن قصير سيطلب منّا أن ننسى باسم الثورات المغدورة كل الجرائم التي اقترفت، ولا تزال تُقترف، باسم تلك الثورات، في سوريا وليبيا وغيرهما، وأن ننسى باسم الدّول الفاشلة -إن بقيت هناك من دول- كل الجرائم التي اقترفت باسم الدول، وأن ننسى باسم الله، المفترى عليه، كل الجرائم التي اقترفت باسم الله.

وربّما سيكتب التّاريخ إنّ القتلة اجتهدوا، اجتهدوا بالسكاكين والخناجر والكلاشنكوف، المهم أنهم اجتهدوا، وإن أخطأوا فلهم أجر من أخطأ وثواب من اجتهد. ويا للهول، حتى المجرمين لهم أجر من اجتهد! أتفهم شكاوى بقايا ثوار الثورة المجهضة من أن أميركا تلكأت في دعمهم منذ كانت ثورتهم مدنية سلمية حضارية، وتركت الباب لقطر وتركيا لغاية دعم تيارات الغلو والفتنة والتطرف، لكني لا أفهم ما الذي كان مطلوبا من أميركا بالضبط؟

هل كان معقولا أن نتوقع منها أن تدخل منذ العام الأول للثورة في حرب مع جيش حافظ على تماسكه بنحو مذهل؟ هل كان سهلا على أميركا أن تجد لها موقعا “معقولا” داخل ثورة انقسمت على نفسها بنحو حاد منذ عامها الأول، بل أمست في الغالب مجرّد غيلان تبتلع بعضها فتزداد تغوّلا وغلوّا.

والآن، الجيش الحر فصائل مفككة وبعض أطيافها بين فكي النصرة، والنصرة خلايا موزعة وبعض أجزائها بين فكي داعش؟ هل ساعدنا أميركا في إيجاد معادلة واضحة حول مصير آلاف المقاتلين الذين استقبلتهم الثورة واحتضنتهم داخلها؟ هل كان مطلوبا منها أن تحافظ على حماستها ودعمها لما كان يسمى بالربيع العربي وتنسى الاغتيال العبثي الذي طال قنصلها في بنغازي، والذي كان من أقوى داعمي ثورة الشعب الليبي ضد استبداد معمر القذافي؟ هل استطعنا أن نقنع أنفسنا قبل إقناع أميركا بأن انهيار بشار الأسد سيساعد في القضاء على الخطر الأكبر الذي يهدد الأمن الإقليمي والدولي، والمتمثل في داعش والقاعدة وغيرهما؟ حتى رجب طيب أردوغان نفسه لم يصمد في تبني هذه المعادلة التي ساهم في صياغتها منذ البداية.

هل قدمنا لأميركا أدنى ضمانة بأن أداءنا في مقاومة الغلو والفتنة سيتحسّن بعد إسقاط بشار الأسد؟ واضح للجميع أن قطر لم تتدخل في سوريا إلا لدعم الجماعات التكفيرية بالمال والإعلام، وأن تركيا لم تتدخل إلا لنفس الهدف قبل الدخول في حرب مفتوحة مع الأكراد، وأن مجلس التعاون الخليجي منشغل الآن بالحرب مع الحوثيين في اليمن، وأن محاولة تشكيل “قوة سنية” في العراق تقاتل المتطرفين باءت بالفشل، وأن المعطيات الميدانية في سوريا تؤكد بأن الجماعات الأقل تطرفا لا تصمد طويلا أمام الجماعات الأكثر تطرفا.

ثمة على الأرجح اختلالات ثقافية عميقة في العقل والوجدان. فهل كان مطلوبا من أميركا أن تغيّرنا رغما عنا، وقبل أن نغير ما بأنفسنا؟

علينا أن نكون صرحاء، الذي أجهض الثورة السورية ليس الاستبداد الأسدي لأنّ الاستبداد مهما بلغت شراسته لا يستطيع أن يجهض الأمل. الذي أجهض الثورة السورية ليس سلاح حزب الله ولا الدعم الإيراني أو الرّوسي لأن هذا التدخل مهما بلغ حجمه فلا يستطيع أن يقتل الأمل. الذي أجهض الثورة السورية ليس المؤامرة “الصهيونية – الأميركية – الماسونية”، لأن كل المؤامرات الكونية لا تستطيع أن تقضي على الأمل. من أجهض الثورة السورية هي الجماعات التكفيرية التي تغولت بدعم من “الأصدقاء”، فمزقت نسيج الحاضنة الاجتماعية، وفرقت الثورة إلى أطراف متناحرة حول الغنيمة والعقيدة والقبيلة.

إن هذا هو الذي أجهض الأمل في الأخير، فأصبح الشعب يائسا بلا أمل، ليس أمامه من أفق آخر غير الهجرة هربا من جحيم فتنة لا أول لها ولا آخر. الخيبة خيبتنا في الأول والأخير، أمّا أميركا فهي لا تكلف نفسها إلا وسعها.

كاتب مغربي

9