لا تلمسوا الجواهر

السبت 2015/01/24

غير مرة، يتأخر الناس عن مواعيد الخروج للعمل أو التسوق أو المدرسة بسبب سلسلة مفاتيح مفقودة، مفتاح المنزل أو السيارة أو صندوق البريد الشخصي، حيث يتسبب اختفاء هذه السلسلة المعدنية المتشابكة التي تمنحك أذناً يومياً لمغادرة المنزل أو العودة إليه، في توقف مفاجئ لخلايا المخ عن العمل، كما تبدو عقارب الساعة – في حينها- وكأنها شريك مخالف في سباق ماراثوني للتنكيل بصاحب البالين الذي يحلو لذاكرته المتعبة أن تخونه، في هذا الوقت من الصباح.

ولأن المواعيد الصباحية لا تتحمل التأخير أو حتى التلكؤ، تتضاعف المشقة وينفرط عقد الصبر فيتحول الجسد إلى قطعة مرنة من المطاط وهو يتقافز بخفة في بحثه المضني عن المفتاح المفقود، بين زوايا غرفة الجلوس أو في أصص الزهور، رفوف المكتبة، خزانات المطبخ ليصل ربما إلى علب الأدوية الموضوعة بعناية في دهاليز الثلاجة، ولكن دون جدوى، وبعد مرور دقائق بعدد السنين يجد ضالته أخيراً تتأرجح بدلال وتتدلى بلمعان من خلال فوهة قفل باب المنزل الرئيس.

يتكرر هذا السيناريو مرات عدة ويصح في كل الأوقات والمناسبات فإن حدث، فهو كفيل بتعكير بداية الصباح بصورة سابقة لأوانها، على اعتبار أن الساعات اللاحقة من الصباح مع ما تحتويه من أخبار في الصحف وقرارات فاشلة في العمل ومصادفات غير سعيدة في الشارع، كفيلة لوحدها بتعكير الساعات المتبقية من اليوم.

تنبه العلماء إلى هذه الإشكالية وانشغلوا بتسويد صفحات من أبحاث وأنفقوا بسخاء على تجارب معملية، ليتوصلوا إلى أن النسيان الموسمي هذا قد يطال جوانب أخرى أكثر حيوية في تفاصيل حياتنا اليومية مثل، الأرقام السرية التي نموّه من خلالها حساباتنا في مواقع التواصل الاجتماعي، حساباتنا البنكية، إضافة إلى مجموعة أرقام ترميزية تمثل هواتفنا وتاريخ ميلادنا، تاريخ مماتنا، تواريخ الانتكاسات في حياتنا وتواريخ أخطائنا الشنيعة وانكساراتنا.

النصيحة الثمينة توصي بإطباق أجفاننا – للحظات – وإسدال ستارة معتمة على مظاهر العالم الخارجي الذي يطوقنا بصوره وضجيجه، لنترك الفرصة لدماغنا كي يعمل بأقصى طاقاته وخلاياه الجذعية لاستعارة شريط ذكريات بسيط قصير المدى، يكفي بمطالعة بسيطة لثناياه العثور على مكان المفتاح أو الرقم المفقود.

وقبل أن يسدلوا الستارة على أبحاثهم ويقفلوا باب مختبراتهم، نصح الباحثون الناس الفضوليين بضرورة عدم الاسترسال بالخروج عن النص البحثي ومحاولة السباحة في تيار الذاكرة بعيدة المدى، فالاكتفاء بجولة سريعة عبر ممرات الذاكرة القصيرة التي تقع في الواجهة الملاصقة لجدار الجمجمة، حيث الأرقام السرية والمفاتيح المشاكسة يكفينا شر الحاجة إلى ما لا نرغب وما لا تحمد عواقبه، كما شدد بعضهم على ضرورة الالتزام بالتعليمات شأنهم شأن الساحر الذي شدد على علاء الدين وهو يزج به في كهف الكنوز، فأوصاه بسرقة المصباح السحري وحذره من ملامسة المجوهرات الثمينة التي تسكن في أعماق الكهف.

ولأن علاء الدين لم يستمع لنصيحة الساحر، بقي أسيراً في كهف الوجوم ذاك لولا عناية كاتب القصة الذي غيّر السيناريو في اللحظات الأخيرة.

التقطوا المفتاح الضائع ولا تلمسوا الجواهر، فالبقاء مطولاً في غرف الذاكرة السرية قد يجركم إلى دوامة الماضي الذي تعمدتم نسيانه بمحض إرادتكم.

ليتنا ضيعنا كل مفاتيحنا وفقدنا ذاكرة الأسى.

21