لا تمسوا حريتنا رجاء

الأربعاء 2014/10/01

كان تحذير مخترع الويب تيم بيرنرز لي أمس الأول من انتهاك حرية الإنترنت، أشبه بمن يدافع عن استرخائه في منزله، حقا كان يتحدث هذا الرجل الذي منحته ملكة بريطانيا أرفع الأوسمة الملكية، عن منزله، وكأنه يتكلم بصوتنا “لا تمسوا حريتنا رجاء”!

لن يكف بيرنرز لي عن التحذير كلما تسنى له ذلك، من أجل الدفاع عن الفضاء الإلكتروني الذي ابتكره، فبعد أن رفض من قبل تحويل الإنترنت إلى جزر مبعثرة، يقف اليوم بوجه الحكومات والشركات الكبرى للسيطرة على الشبكة.

وبطبيعة الحال لن تروق للحكومات والشركات دعوته إلى وضع ميثاق عالمي يضمن الحقوق والحريات الأساسية لمستخدمي الشبكة، عندما قال وهو يناقش في ملتقى لندن مستقبل الإنترنت “أنه بات من الملحّ وضع نموذج عصري لميثاق (ماغنا كارتا)، الميثاق الإنكليزي الذي وضع في القرن الثالث عشر لتنظيم حقوق وحريات المواطنين الأساسية”.

ويرى بيرنرز لي الذي سبق وأن اتهم مواقع التواصل الاجتماعي بالخروج عن مبادئها المعلنة وإنشاء صومعة مغلقة المحتوى “إذا تمكنت شركة ما من بسط سيطرتها على إمكانية وصولك إلى الإنترنت، وإذا تمكنت من السيطرة على حريتك في اختيار المواقع التي تزورها، سيكون لهذه الشركة سيطرة كبيرة على حياتك في نهاية المطاف”.

وكان بيرنرز لي قد طور نظام الشبكة العنكبوتية “الويب” لربط الصفحات وتصفحها وتنظيمها على شبكة الإنترنت. وارتكزت فكرة الويب على إن كل شيء مفتوح على بعضه إلا إذا كان بهدف الاشتراك في خدمة معينة “مثل صحيفة أو قاعدة بيانات مكتبية”.

وها هو يعيد إطلاق نفس الأسئلة التي أثارها من قبل الكاتبان جاك غولدسميث أستاذ القانون في كلية الحقوق بجامعة هارفارد، وتيم وو أستاذ القانون في كلية الحقوق في جامعة كولومبيا في كتاب أثار ردود فعل باهرة تحت عنوان “من يحكم الإنترنت”.

فهل الإنترنت يمحو الحدود الوطنية؟ ومن يصنع مستقبلا صافيا يتم من قبل مهندسي الإنترنت والمبرمجين، ومنظمة الأمم المتحدة، أو الدول القوية؟ من هو حقا يتعين عليه السيطرة على ما يحدث على الشبكة؟

بنظر هذين الكاتبين، فإن القوانين الوطنية والتقاليد والجمارك لا تقل أهمية عن السيطرة على الفضاء الالكتروني كما هو الحال في الفضاء الحقيقي.

لكن حتى الحكومات الديمقراطية تعاني من مشكلات خطيرة فيما يتعلق بالإنترنت، فهناك خطر أن تتمادى الحكومة في السيطرة على الحريات الشخصية، ويمكنها تغليف العقوبات على بعض السلوكيات مثلما يعتقد الكثيرون إنها فعلت ذلك في التعامل مع تعاطي المخدرات، وربما تقوم بالإفراط في حماية حقوق الملكية الفكرية، مما يؤثر سلباً في الإبداع.

بالنّسبة إلى غالبية النّاس في العالم، المنصّات المعرفية والوسائط الإعلامية والشبكات الاجتماعية كلّها جزء من الحياة اليومية. بل إن استعمالها أضحى أكثر بديهية من الهاتف والتلفزيون، حسب بيان الإنترنت.

وهكذا أوجد الانترنت تعريفا مضافا لحرية الإنسان، يبدو أن الحكومات حتى التي لا يمس نظامها الأمني كرامة الناس، باتت تضع طوقا حولها. الأمر الذي يفسر لنا الدعوة المتصاعدة إلى تثبيت دستور عالمي لحرية الإنترنت وإلى شرطة مخلصة لمنع اختراقه، وهذا ما لا تريده الحكومات حتى الديمقراطية منها.

18