لا تنزل إلى نهر الريال مرتين

الأحد 2016/09/18

قديما وخلال ازدهار الحضارة الإغريقية وبروز جيل متمكن ومتمعن وحكيم من الفلاسفة والمفكرين، قال الفيلسوف هرقليطس إنك لا تنزل إلى النهر مرتين، بمعنى أن مياه النهر المتحركة والجارية دوما، تتغير وتتبدل، والإنسان بدوره يتغير ويتلون باستمرار.

هي نظرية بقيت صامدة إلى يومنا هذا، والكثير من الأدباء والفلاسفة والمفكرين بنو عليها مؤلفاتهم ونظرياتهم المستحدثة.

ومع ذلك، هل تصح هذه المقولة في عالم كرة القدم زمن المتغيرات والتقلبات والتطورات الرهيبة في كل المسائل والأمور المرتبطة بأساليب اللعب وأسعار اللاعبين؟

ربما قد يصحّ الأمر، ولو نسبيا، في العديد من الحالات، لكن ما عسانا نقول في علاقة مانشستر يونايتد الإنكليزي وريال مدريد الأسباني؟ هل تحكمهما نظرية المتغير والثابت؟ أم تنطبق عليهما مقولة هرقليطس؟

حديثنا اليوم يتعلق أساسا وبشكل واضح حول رغبة مانشستر يونايتد في القيام بانتدابات موجهة ومحددة من ريال مدريد، خاصة بعد تردد أنباء عن حرص مدرب “الشياطين الحمر” على “اصطياد” بعض الصفقات القوية من معسكر القلعة البيضاء سواء خلال الميركاتو الشتوي المقبل أو سوق الانتقالات الصيفية الموالية.

حديثنا ينبع بالأصل من عدم يأس إدارة المانشستر في الفوز ولو بلاعب واحد من كتيبة الفريق الملكي، وكم حلمت بذلك منذ سنوات، لكنها لم تنجح بعد.

آخر الكلام الصادر عن وسائل إعلام إنكليزية وأخرى أسبانية يفيد بأن الفريق الإنكليزي مستعد لدفع الغالي والرخيص من أجل الظفر ولو “بسمكة سمينة” واحدة من نهر الريال، لكن هيهات.. هيهات، فرئيس ريال مدريد فلورينتينو بيريز يرفض البتة التفريط في أيّ لاعب من زمرة نجوم فريقه، حتى لو عرضوا عليه أموال الدنيا.

لقد استحضرنا مقولة فيلسوف اليونان القديمة، لأن مانشستر لم يستوعب الدرس أو ربما مازال مصرا على البحث عن صيد ثمين من نهر الريال، رغم أن محاولته أو محاولاته السابقة باءت بالفشل.

في الموسمين الماضيين بحث مانشستر بكل السبل عن انتداب أحد نجوم الريال، وأبرزهم رونالدو، فالفتى البرتغالي “الذهبي” كان بمثابة اللؤلؤة المكنونة التي فرط فيها مانشستر في السابق للريال، لكن الفريق عاد بعد سنوات ليطالب باستعادة صيده السابق، فدخل بكل ثقله من أجل طلب ودّ رونالدو من جديد بمقابل مالي خيالي وراتب يجعله الأغلى والأغنى بين كل نجوم الكرة.

لقد جرب مانشستر كل أشكال وأساليب “الصيد”، إلى درجة أن بعض أحباء الفريق كتبوا لافتة عملاقة كتب عليها “عد إلى بيتك يا رونالدو”، ثم ألصقوها في طائرة حلقت فوق ملعب احتضن مباراة ريال مدريد ضد فياريال، لكن الأمر لم ينجح، فعاد صيادو مانشستر بشباك فارغة وأخرى لا شيء فيها.

تكرر الأمر مع غاريث بيل الذي تم إغواؤه بمبلغ مالي طائل من أجل التوقيع مع مانشستر الذي لهث طويلا من أجل الظفر بتوقيع “الجناح النفاثة” الويلزي منذ الموسم الماضي، لكن الأمر بدا وكأنه رحلة صيد في صحراء لا حياة فيها، وعاد مرة أخرى مسؤولو مانشستر بصنارة بلا طعم ولا طعام ولا غنيمة.

اليوم، وبعد أن أغلق منذ فترة سوق الانتقالات الصيفية، مازال مانشستر بمسؤوليه وجهازه الفني والإداري يحلم بالظفر بصيد ثمين من نهر الريال، حيث أشارت بعض وسائل الإعلام الأوروبية أن الهدف القادم هو أحد نجوم خط الوسط في ريال مدريد، والحديث هنا يخص الألماني توني كروس أو الكرواتي لوكا مودريتش، فضلا عن بيل الذي مازال إلى اليوم “الصيد” الذي يحلم به كل عشاق مانشستر.

بيد أن الأمر سيكون حاليا أكثر صعوبة من ذي قبل، ألم يقل هرقليطس إن الأصل في الشيء هو التغير والتبدل، وموقف الريال تغير فعلا وبات أكثر صرامة وصلابة في مسألة التفريط في أحد نجومه خلال الفترة المقبلة.

فقرار العقوبة المسلطة على ريال مدريد من قبل الاتحاد الدولي للعبة “الفيفا” بحرمانه من إبرام صفقات انتداب لفترتين متتالين من الميركاتو، أي الميركاتو الشتوي المقبل وميركاتو صائفة 2017، سيدفع إدارة الريال بلا شك إلى التمسك أكثر بكل اللاعبين الموجودين حاليا على ذمّة النادي، وطبعا في مقدمتهم النجوم البارزة التي تشكل نواة قوة الفريق على غرار رونالدو وبيل ومودريتش وكروس ومارسيلو ونافاس وراموس وكارباخال حتى لو دفعهم الأمر إلى تحسين أجورهم وامتيازاتهم المالية.

قطع الطريق أمام مانشستر بدأ بالفعل، فرئيس النادي الملكي بدأ منذ أيام في مفاوضات جدية ومستمرة مع أبرز نجوم الفريق، بدءا برونالدو وبيل مرورا بكروس ومودريتش وصولا إلى كل اللاعبين الذين تنتهي عقودهم قريبا.

وإزاء هذا التغير في موقف إدارة الريال التي ستفكر ألف مرة في التفريط في أيّ لاعب حتى وإن خرج من حسابات الإطار الفني، فإن مهمة العثور على صيد ثمين في نهر الريال ستكون مستحيلة أمام فريق “الشياطين الحمر” الذي لم يرم البتة المنديل، ومادام في النهر المزدهر اللؤلؤ والمرجان، فإن الأمر قد يستحق حقا الصبر، فربما نظرية الفيلسوف الإغريقي تتحقق مستقبلا، لكن على النحو الذي يرضي مانشستر يونايتد.

كاتب صحافي تونسي

23