لا توجد قصة إخبارية تستحق أن يضحي الصحفي بحياته من أجلها

تزداد خطورة العمل الصحفي مع مرور الوقت، وتصبح المهنة الأكثر خطورة في ظل تفاقم النزاعات والرغبة في السيطرة على سير المعلومات، ويبقى الخيار للصحفي في أن يجازف بحياته في سبيل نقل القصة، مع احتمال أن يتحول هو إلى قصة.
الجمعة 2015/05/15
ليز دوست أصبحت تفكر مرتين وأكثر قبل التوجه إلى الميدان

لندن- بين القصة التي تستحق المجازفة، والحياة المهددة من جميع الأطراف المتصارعة في مناطق النزاع، يجد الصحفي نفسه أمام وطأة قرار قد يكلفه حياته، مع تساؤل لا ينفك يلح: من ينقل الحقيقية إذا لم يجرؤ الصحفي على المغامرة.

تؤكد ليز دوست كبيرة مراسلي هيئة الإذاعة البريطانية، “لا ننفك نعيد مرارا وتكرارا، منذ زمن طويل، في أوساط الصحافة، أنه لا توجد قصة تستحق أن نموت في سبيلها. لكن هناك قصص تستحق المجازفة. والتحدي الحقيقي في زمننا المعاصر هو تقييم هذه المخاطر بوضوح وبدقة.

لكن لم يواجه الصحافيون قط، في أي زمن مضى، هذا الاحتمال الواسع بالتواجد في المكان المناسب في الوقت غير المناسب. في أماكن كثيرة من العالم، لم يعد الأمر يقتصر، بالنسبة لنا، على مجرد اتخاذ مخاطر محسوبة لنقل تقرير عن ما يحدث على خط المواجهة. بل صرنا نحن خط الجبهة نفسه.

ويزداد عدد جرائم القتل والاختطاف وطلبات الفدية بوتيرة مثيرة للقلق. لقد أصبحنا الآن، في كثير من الأحيان، نحن أيضا قصة. وهذه ليست الطريقة التي يتوجب أن تكون عليها الصحافة في مجملها”، بحسب ما نقلت الغارديان البريطانية.

وتتحدث المراسلة الدولية ليز دوست، التي غطت الكثير من مناطق الصراع في العالم العربي وأفغانستان، في مقال لها على موقع الهيئة الدولية لسلامة الصحافة، عن التهديدات التي يتعرض لها الصحفيون في الميدان، وهي عبارة عن مقدمة لتقرير بعنوان “تحت التهديد – الحالة المتغيرة لسلامة وسائل الإعلام”، تنقل فيه تجارب الصحفيين الذين يخاطرون بأرواحهم لنقل الوقائع عن مختلف الصراعات المندلعة في العالم المعاصر.

الصحفيون في أي زمن مضى، لم يواجهوا هذا الاحتمال الواسع بالتواجد في المكان المناسب في الوقت غير المناسب

تقول دوست، يبقى الصحفيون المحليون والصحفيون العاملون لحسابهم الخاص (المستقلون) من بين أكثر الفئات ضعفا. ويتم العمل على تحقيق الكثير من التقدم على مستوى تسليط الضوء على المخاطر التي تواجه أولئك الذين، بين وسائل الإعلام العالمية، يتمتعون بحماية وإحاطة أقل بكثير من أولئك الذي ينتمون إلى شركات إعلام متعددة الموارد.

ونحن جميعا بحاجة إلى حماية بعضنا البعض. الصحافة هو ما نقوم به ونأمل أن نواصل العمل على ذلك. ولكن مهمتنا هي سرد قصة، لا أن نكون القصة نفسها. ونحن بحاجة إلى نوع من الأمان، والضمانات، التي تتيح لنا أن نواصل سرد تلك القصص.

هناك الآن تحركات تدعمها الهيئة الدولية لسلامة الصحافة وسائر المنظمات الإعلامية الرئيسية، وتهدف أساسا إلى إنشاء مستوى سلامة أدنى للعاملين لحسابهم الخاص في المناطق الخطرة. الآن هناك تحركات لتحقيق المساءلة. فقد طالبت منظمة “مراسلون بلا حدود” المحكمة الجنائية الدولية باعتبار الهجمات على الصحفيين جريمة حرب. لقد فقدنا الكثير من الأصدقاء والزملاء في مجال عملنا، في خط النار.

العام الماضي، تحولت زيارة إلى ملجأ الأطفال في مدينة حمص السورية إلى قصف بقذائف الهاون بالكاد نجا منها إثنان

والآن نحن نفكر مرتين وأكثر من ذلك، قبل أن نتوجه إلى الميدان، حتى في البلدان التي سبق وعمل بها العديد منا لعقود طويلة، وعمل بها كذلك العديد من الزملاء والمعارف والأصدقاء. ولكن غالبا ما يتواجد الخطر في مكان لا يتوقعه أحد.

في 2002، عندما سافرنا إلى منطقة قندهار الهادئة نسبيا بعد مرور طالبان منها، تحول حفل زفاف شقيق الرئيس كرزاي إلى محاولة اغتيال الزعيم الأفغاني. مرت الرصاصات بالقرب من إثنين من أعضاء الفريق الذي كان يرافقني (كيث موريس وفيليب جودوين). سألنا رئيس تحرير في لندن إذا كنا نرتدي ستراتنا الواقية. وأجبنا بدهشة “في حفل زفاف؟”.

العام الماضي، تحولت زيارة إلى ملجأ الأطفال في مدينة حمص السورية إلى قصف بقذائف الهاون بالكاد نجا منها إثنان من زملائنا، ناتالي مورتون وفيل جودوين. حتى مع المخاطر الكبيرة المحتملة، يمكن للصحفيين أن يقرروا أن مهمة نقل الخبر تستحق كل تلك المجازفة، وهو بالفعل ما يقومون به في نهاية المطاف. تلوح قصة هامة في الأفق أكبر، وفجأة نعتقد أننا، بطريقة أو بأخرى، قادرون على خوض كل تلك المخاطر مرة أخرى.

قامت ماري كولفين، أحد أبرز المراسلين الحربيين في جيلنا، برحلتها المصيرية الأخيرة إلى ما كانت حينها مدينة حمص المحاصرة. وقد استمعت إلى مشاكل الصحفيين هناك. كانت تصغي إلى الأسئلة التي تدور في رأسها. ولكنها ردت على المشاغل التي عبرت عنها صديقة مشتركة، المحررة بالقناة الرابعة، ليندسي هيلسوم، بمجرد قولها “هذا ما نقوم به، ذلك هو عملنا”. وكانت تلك، مرة أخرى، قصة الحرب والمعاناة التي يحتاج العالم إلى معرفتها وإدراكها.

غياب الصحفيين عن التواصل مع الكثير من مناطق الصراع جعل التغطية الصحفية غير موضوعية

وهذا هو أيضا عنوان كتاب جديد للمصورة الشهيرة لينزي أداريو (هذا ما أقوم به/ ذلك هو عملي) التي نجت في أكثر من مناسبة من مخاطر عديدة. وتنتهي دوست بالقول “مهمتنا هي سرد قصة، لا أن نكون القصة نفسها، ونحن بحاجة إلى نوع من الأمان، والضمانات، التي تتيح لنا أن نواصل سرد تلك القصص”.

وتصبح حماية الصحفيين الموضوع الأكثر إلحاحا في ظل ما تفرضه وقائع الصراع في مناطق النزاع، فغياب الصحفيين عن التواصل مع الكثير من المناطق خاصة في العالم العربي جعل التغطية الصحفية غير موضوعية، في الوقت الذي تمارس فيه الأطراف المختلفة السيطرة على عملية نشر المعلومات في المناطق التي يبسطون سيطرتهم عليها، وهو ما فسح المجال إلى هيمنة صحفيين متحزبين بدلا من صحفيين محترفين، وتركت هذه التغطيات أثرها على الصورة الكبيرة للأحداث وسط روايات متناقضة، وهو ما أدى إلى إضعاف الثقة في الصحفيين المحليين الذين يحاولون نقل حقائق الأحداث وإنقاذ مصداقية الإعلام.

18