لا ثقافة عربية جديدة من دون ناقد جديد

الأحد 2018/01/28

طرحت مجلة "الجديد" في أحد أعدادها ومن خلال ملف عن النقد والتفكير النقدي أسئلة وإشكالات تبلغ من الأهمّيّة ما يجعل محاولة التّصدّي لها رهينة كتب ومقاربات عديدة. وهي مهمّة أخرى تكاسل عنها من بين من تكاسل، معظم النّقّاد من جهة ما يسمّى نقد النّقد ومناهجه ورهاناته المعرفيّة والثّقافيّة. لكنّنا قد نشير إلى بعض مواضع العلّة العميقة، فاتحين بذلك أفق نقاش موسّع ومأمول.

يكاد لا يكون هناك اختلاف حول الأزمة التي يعيشها النّقد العربيّ. ولعلّ أوكد مظاهر هذه الأزمة تأرجحُ هذا النّقد بين حديث عن أزمة أدب تكاد تكون مطلقة في نظر البعض من الأكاديميّين، في تعام واضح عمّا يكتب حديثا وعن الأنساق المعرفيّة والثّقافيّة والحساسيّات الفنّيّة التي تنتظمه، وبين تمجيد ومداهنة لنصوص لا تساوي الورق الذي كتبت عليه، وإنّما هو أجر من نوع آخر.

“من هو النّاقد؟” -يتساءل الشّاعر العراقيّ الرّاحل سركون بولص- “إن لم يدرك أنّه جاء لينقد الوضع لا ليكون جزءا منه. فعليه السّلام”. (سركون بولص، سافرت ملاحقا خيالاتي “حوارات”، منشورات الجمل، ط1، 2016، ص 244).

نعم، ينسى الكثيرون أنّ النّاقد ليس جزءا من الوضع، بمعنى أنّه ليس منخرطا في رحى التّحزّب الأدبيّ إلى مذهب أو حساسيّة أو غير ذلك. وهو النّاظر بعين لا يمكنُ بأيّ حال من الأحوال أن تكون مطلقة الحياد، ولكنّها محرّقة أسئلة وعصيّة على الثّوابت. ومثل هذا قليل في ثقافتنا، رغم الاستثناءات التي تلوح من حين إلى آخر، مفعمة بالإمكانات. ومع ذلك، فقد سبق إلى ذلك كثير. ثمّ تعثّروا في الطّريق.

النّاقدُ الحقيقيّ يحمل مشروعه أيضا مثل الشّاعر والكاتب عامّة. ويتضافر عملهما معا. فالنّقد منتج ثقافيّ وفكريّ مخصوص له قارئه المتعدّد، طالبا كان أم باحثا أم مبدعا أم قارئا آخر من نوع خاصّ. وفي خضمّ، ذلك مازلنا نتعجّب من جبّة القاضي المبجّلة لدى الباحثين الأكاديميّين، أي تصوّرهم أنّهم يمثّلون القارئ الفصل الحاكم بالجودة أو غيابها، قطعا وليس رأيا أو مقاربة. بينما من المفترض أن يكون النّاقدُ قارئا نادرا يحاورُ نصوصا في طيّات قد لا يدركها الكثيرون، تماما مثلما يفعل عالم الطّبيعة إزاء خلق لا نراه جميعا على نفس النّحو. ويكون لمعرفته الفضل في رؤية مغايرة، قد تساهم في تجديد نظرتنا للعمل المبدَع سواء كان أخطبوطا أم غابة أم قصيدة.

كان هناك زمن تحوّل فيه كلمةٌ من ناقد إلى مشروع كاتب برمّته أو تتقدّم به إلى كوامنه التي لم تكن كلّها واضحة في مستوى الوعي، بين الحدس واللاّوعي والعقل.. ودون الحاجة إلى القول إنّ استثناءات توجد هنا وهناك، يمكن تصنيف الأسباب المتشعّبة والعديدة لهذا الوضع، وفق نوعين اثنين. أوّلهما عامّ مرتبط بالنّسق الحضاريّ العربيّ وأوضاع الأقطار العربيّة وما تعانيه من إشكالات، من بينها إشكالات التّعليم والمؤسّسات الثّقافيّة وطبعا دون شكّ سؤال الحرّيّة والتّحرّر. إنّ شعوبا تعيش في كنف الظّلم والقهر والبطالة والكبت والجهل والعجر على التّصنيع والإبداع الفلسفيّ وتطوير العلوم -مهما نسّبنا هذه الظّواهر- لا يمكن أن تنتج نقدا ثقافيّا وأدبيّا مزدهرا وعلى نحو جمعيّ. ومع ذلك يمكن القول إنّ هناك تجارب فكريّة ونقديّة هامّة. لكنّ هذه التجارب فرديّة ينفصم نسقها بموت أصحابها وتبرز في بعض الأقطار التي يقلّ فيها منسوب هذه الإشكالات وإن في سياق تاريخيّ محدّد وتتوقّف عند الآفاق التي ترسمها دون أن نرى حركة فكريّة عامّة وممتدّة في التّاريخ. إذ لا يمكنُ فصل النّقد الأدبيّ فصلا تامّا عن شروط مظانّه الحضاريّة والعلميّة.

ببساطة، إن لم تحقّق ثقافة ما حداثتها، بالمعنى الذي يجعلها تتّخذ موقفا معرفيّا رصينا من تراثها وحاضرها وغيريّاتها، فإنّها لا تنتج نقدا عظيما ولا أدبا عظيما كذلك، رغم قدرة الأدب العربيّ، على ما في بعضه من علاّت، على خلخلة هذا الحكم بما فيه من مدوّنات مميّزة وهامّة بإمكانها أن تبلغ العالميّة. ولكنْ لذلك أسباب أخرى متشعّبة، يضيق عنها هذا المجال وتحتاج إلى النّظر والدّرس.

وفي ما يتعلّق بمسألة الحداثة واتّخاذ الموقف من التّراث والغيريّات، يمكننا أن نشير إلى بعض ما يميّز النّوع الثّاني من الأسباب. وهو في ما يوجد من إشكالات معرفيّة داخل مجال النّقد العربيّ. أوّلا، قضّى الباحثون العرب عقودا إن لم نقل أكثر من قرنين في محاولة قراءة تراثهم قراءة نقديّة مؤسِّسة. لكنّنا نملك اليوم كتبا ومنشورات كثيرة، دون أن نستطيع التّغافل عن سؤال التّأسيس. طبعا هناك اختلافات دائما في المقاربات. ولكنْ، هل نملك مثلما حدث عند الغرب تصوّرات عامّة، عن المنوال المعرفيّ والأدبيّ القديم، والذي يصعب فصله عن دروس الفلسفة والحضارة والتّاريخ واللّسانيّات.

ما الذي تغيّر في واقعنا وأدبنا، حتّى يدفعنا إلى محاولة اجتراح منوال آخر لتمثّله ودراسته؟ سؤال آخر نحتاج إلى طرحه على أنفسنا. وإن نجحنا في ذلك، كيف تشتغل مؤسّساتنا في القيام بالعمليّة اللاّحقة التي لا تقلّ أهميّة عن إنتاج المعرفة في فضاءات ضيّقة لها خطابها الخاصّ وناموسها المخصوص، أي توزيع المعرفة بعد إنتاجها؟

وإنتاج المعرفة هذا لا يمكن أن يتمّ بتحويل المئات من الباحثين والنّقّاد إلى مجرّد شرّاح لنصوص نقديّة غربيّة، لها وجاهتها دون شكّ، لكنّها تستعصي على الإسقاط المباشر في سياقات مغايرة لها. هناك ما هو نظريّ عامّ وكونيّ. لكنّ النّقّاد الغرب الذين تصدّوا لإعادة قراءة تراثهم والتّفكير فيه وفي ما يعاصرونه من كتابات أدبيّة وثقافيّة، إنّما يفعلون ذلك انطلاقا من تصوّرات عن لغتهم وبالتّالي ثقافتهم باختلاف نسقها

وسماتها.

قد يكون تشعّب الإشكاليّات والعلل التي تقدحها هذه الأسئلة سببا في الإلقاء ببعض الأفكار المتعجّلة هنا. ولكنّها تحتاج في نظري إلى التّفكّر والتّأمّل. ولعلّ أهمّها أنّنا صرنا في حاجة إلى ناقد هو نقيض النّاقدِ المألوف الذي تصوّرناه لعقود طويلة: لسنا في حاجة إلى من يقف في منتصف الطّريق بين الكاتب والقارئ لينسى أنّه بدوره قارئ/ كاتب من نوع خاصّ، له تأثيره على قرّاء آخرين وعلى منتج الأدب والثّقافة وله مساهمته في المعرفة التي تشكّل وعيا حول الثّقافة وتدفع بها إلى إمكانات تحديثها. وليس النّقد بهذا الشّكل بمعزل عن مختلف العلوم الإنسانيّة. لعلّنا ننسى أنّه من دون تضافره مع هذه العلوم، يبطل نجاعته ويقصر دون غاياته.

كاتب من تونس

10