لا جديد.. فضيحة إعلامية للجزيرة في لندن

أعادت قناة الجزيرة القطرية سيناريو تركيب صور تظاهرات حاشدة، على أخرى لا علاقة لها بها، في غياب لأي معايير مهنية وأخلاقية، وكان الهدف هذه المرة فبركة صور تظاهرة “حاشدة” أمام سفارة الإمارات، بطريقة مفضوحة أسقطتها في فخ التناقض والازدواجية.
الثلاثاء 2017/06/20
المقاول نصب اللافتات ولم يحضر المظاهرة

لندن - سقطت قناة الجزيرة القطرية في فخ انعدام المهنية عندما عرضت صورا تظهر مظاهرات كبيرة ضد رئيسة الوزراء تيريزا ماي على أنها مظاهرات أمام سفارة الإمارات تنديدا بمقاطعة قطر من قبل السعودية والإمارات ومصر والبحرين.

ووصف مشاهدون تغطية الجزيرة الإعلامية للتظاهرة بـ”الفضيحة” الأخلاقية والمهنية، كما وقعت في فخ تناقض وازدواجية كبيرة، بعدما تبين لاحقا أن قناة “الجزيرة مباشر” أذاعت الغرض الصحيح من التظاهرة الكبيرة، قبل أن تقول قناة الجزيرة الرئيسية إن التظاهرة كانت موجهة ضد الإمارات.

والسبت دعا نشطاء وأعضاء في تنظيم الإخوان المسلمين في لندن إلى تنظيم تظاهرة “حاشدة” أمام سفارة الإمارات الساعة الواحدة ظهرا بتوقيت غرينتش. وقالت مصادر لـ”العرب” إن أعدادا قليلة من الناس يحملون لافتات مسيئة خصوصا للإمارات حضروا التظاهرة، التي كانت تحظى بتغطية إعلامية من قنوات وصحف تحظى بتمويل قطري.

ولم يتخط عدد المتظاهرين 40 شخصا، مقارنة بالتظاهرة الضخمة التي حاولت الجزيرة توظيفها للتغطية على الأعداد الضئيلة التي حضرت التظاهرة، وفقا لشهود عيان.

تمويل قطري لتضليل إعلامي

وقال مذيع قناة الجزيرة اللبناني حسن جمول إن “الحملة الدولية للعدالة والسلام البريطانية نظمت وقفة احتجاجية أمام سفارة الإمارات في لندن للتنديد بمقاطعة دولة قطر، وبالحصار الذي فرضته دول خليجية عليها”.

وأضاف “دعت الحملة هذه الدول إلى احترام حقوق الإنسان والحالات الإنسانية المتضررة، ولا سيما في الإمارات والسعودية، معتبرين ذلك انتهاكا لحقوق الإنسان الخليجي”، مؤكدا أن من بين هؤلاء “يمنيون وليبيون وصوماليون ومصريون نددوا بدور الإمارات في وأد ثورات الربيع العربي، ولا سيما في ليبيا ومصر”.

لكن بعد قليل من إذاعة النشرة التي جاء فيها الخبر، نشر نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي صورا تظهر المظاهرة الكبيرة التي قالوا إنها لا علاقة لها بقطر والإمارات، وأنها كانت تستهدف سياسات رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي.

ووضع النشطاء الشريط المصور الأصلي للتظاهرة، الذي يظهر لافتات تخص حركة مناهضة العنصرية ومنظمات مدنية أخرى، تندد بتحالف حزب المحافظين بقيادة ماي مع الحزب الديمقراطي الوحدوي في شمال أيرلندا، المتهم بالتشدد.

واعتادت قناة الجزيرة على اللجوء إلى تقنية تركيب الصور ووضع أخبار مزيفة عليها. ومارست القناة هذه السياسة من قبل في ثورات ما يعرف بـ”الربيع العربي”، خصوصا في تونس، ومصر، خلال ثورة 2011، وفي مرحلة ما بعد الإطاحة بالرئيس المنتمي إلى الإخوان محمد مرسي عام 2013.

ولطالما نشرت الجزيرة صورا ومقاطع مصورة لمظاهرات حاشدة قالت إنها لناشطين في جماعة الإخوان المسلمين يطالبون بعودة مرسي. وكثيرا ما تبين لاحقا أنها تظاهرات من بلدان أخرى أحيانا، أو تظاهرات قديمة تم استدعاؤها وتركيبها على خبر من أجل إظهار حجم دعم زائف للإخوان الذين يحظون بدعم مالي وسياسي قطري.

كما انتهجت نفس الأسلوب في تونس بعيد اغتيال المعارض اليساري شكري بلعيد عام 2013، وقامت بتركيب صور مظاهرات على أخرى في بث مباشر على الجزيرة مباشر، أذهل الصحافيين الذين كانوا في المكان وأكدوا زيف الصور.

واعتمدت الجزيرة على نفس الاستراتيجية في حشد التظاهرات خلال الثورة السورية، قبل أن تتحول إلى حرب دموية راح ضحيتها أكثر من نصف مليون شخص.

زيف الصور

وحققت هذه الاستراتيجية نجاحا كبيرا في البداية، إذ ساهمت في حشد الرأي العام تجاه أنظمة الحكم في مصر وسوريا وليبيا وتونس واليمن، على أسس تغيب عنها المهنية ولا تعتمد على وقائع سياسية دقيقة.

لكن منذ ذلك الحين فقدت الجزيرة الكثير من المصداقية التي بنتها مع الوقت، منذ إطلاق بثها لأول مرة عام 1995، إذ وصلت الثقة في حقيقة ما تقدمه القناة إلى أدنى مستوى، وتحولت من مصدر للخبر والمعلومة إلى بوق للتحريض الأيديولوجي والطائفي.

وحاولت الجزيرة تكرار نفس الأمر السبت الماضي أمام سفارة الإمارات الواقعة على الجهة المقابلة لحديقة “هايد بارك” الشهيرة في لندن.

وكان مخصصا للتظاهرة مربع تحيطه حواجز حديدية من كل جانب، ومساحة تكفي لوقوف 3 سيارات بجوار بعضها البعض. وبحلول الساعة الثانية ظهرا بتوقيت لندن لم يكن عدد الحاضرين يتجاوز 40 شخصا على الأكثر، ولم يقوموا بأي هتاف، كما استعان منظمو التظاهرة بكاميرات تابعة لقناة “العربي” ومصورين ومحررين من صحيفة “العربي الجديد” القطريتين.

وشارك في التظاهرة طلاب من قسم دراسات أفريقيا والشرق الأدنى في جامعة لندن. وقالت مصادر إن أغلب هؤلاء الطلاب هم نشطاء في منظمات إغاثية ومنظمات تهتم بشؤون اللاجئين، وتحظى بدعم مباشر من قطر.

كما شارك أعضاء وقيادات في التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وعلى رأسهم محمد سويدان، القيادي المصري في التنظيم.

وحمل المتظاهرون لافتات دعوا فيها الحكومة البريطانية إلى “وقف بيع الأسلحة” لكل من الإمارات والسعودية، وإلى “الوقوف مع قطر ضد الدكتاتورية” الخليجية، كما اتهموا قادة خليجيين بأنهم “مجرمو حرب”.

وفي سبيل إقناع النشطاء البريطانيين بالانضمام إلى مساندة قطر، ربط المتظاهرون بين مقاطعة قطر والقضية الفلسطينية.

ووضع المتظاهرون لافتة كبيرة في المقدمة كتب عليها “الإجراءات العنيفة من السعودية والإمارات تجاه قطر، هي هجوم على فلسطين”، ووزعوا منشور يحمل نفس المعنى.

والتجارة بالقضية الفلسطينية هي أحد الأسس التي تبني عليها قطر نفوذها في أوروبا، إذ تحافظ على صلات وثيقة بتنظيمات يسارية وقوى احتجاجية تناصر القضية الفلسطينية، كما تحاول كسب ولاء سياسيين وأعضاء في مجلس العموم البريطاني، من خلال علاقات بعض السياسيين الممتدة مع تنظيم الإخوان.

وبعد قرابة ساعة ونصف جمع المسؤولون عن التظاهرة لافتاتهم والكاميرات وغادروا الشارع الصغير الواقع مقابل السفارة. وقال أحد شهود العيان لـ”العرب” إن “الأمر كان يشبه المأتم، والأجواء لم تكن لها علاقة إطلاقا بصخب التظاهرات”.

18