لا جديد في السياسة الأميركية

الجمعة 2014/05/09

حدّدت الإدارة الأميركية سياساتها في سوريا، بأنها ليست في وارد التدخل لا عسكرياً ولا سياسياً للضغط على النظام لإجباره على التفاوض، أو لدعم المعارضة بالسلاح، بل ومنْع السعودية من تبني سياسة الدعم العسكري المفتوح؛ وهذا ما أضعف الدور التركي والأردني والسعودي والقطري في ما يتعلق بالدعم، وتحديده في دعم مالي وسياسي بدرجة ضعيفة.

زيارة وفد الائتلاف الوطني وفتح مراكز لبعثة دبلوماسية، لا يعبر عن تغير في السياسة الأميركية، فتلك المراكز هي لإدارة الشؤون المالية والإغاثية. إذن لا داعي لزراعة الأوهام حول تغييرٍ حصل أو سيحصل في الفترة القريبة. السياسة الأميركية لا تتغير بين ليلة وضحاها فهي تمثل دولة عالمية؛ طبعاً سيقول البعض أنها غيرت رأيها في أغسطس 2013 حين استعمل النظام السوري الكيماوي. الحقيقة تقول بأن ذلك كاد أن يحصل، ولكن لا أحد يعرف ما هي تلك العملية وما هي حدودها لو حصلت؛ لكن يمكننا بسبب الإحجام عن أي تدخل فاعل طيلة ثلاث سنوات، القول أنه لن يكون أكثر من عملية محدودة على النظام لتسليم الكيماوي، وبحدوث ذلك أُغلِق احتمال التدخل.

الاستنتاج الوحيد هو أن الإدارة الأميركية منسحبة من المنطقة، وهدفها تدمير فكرة الثورات الشعبية، ويفيد هنا التذكير أنها لم تغير سياستها إزاء قطر ولا إزاء الإخوان، ولا تزال تعتقد بأنهم هم من يستطيعون الوقوف في وجه “الجهاديات”. أميركا تلعب دوراً سلبياً بسكوتها عن تصاعد الحرب ومذهبتها في سوريا بين جهاد سني وجهاد شيعي، وبهذا يتعمّق الصراع في المنطقة بين كل من إيران والسعودية، وتتمزق سوريا بشكل قد يحولها إلى دولة فاشلة.

هناك من ربط بين فتح البعثة بالانتخابات الرئاسية في سوريا. الثابت أن الإدارة الأميركية لا يمكنها الصمت عن تلك الانتخابات، باعتبارها خطوة تطيح باتفاق جنيف الذي ترعاه كل من أميركا وروسيا، لذلك اعتُبر الرد ضعيفاً من أعظم حكومة تقود العالم. وهذه الخطوة الهزيلة تبيّن بجلاء الانسحاب الأميركي وترك سوريا لروسيا، بينما تتعاون مع الأخيرة في المحيط الهادي. ورغم مشكلة أوكرانيا وضعف موقف تدخلها فيها والذي يفترض أن يدفعها إلى مساومات مع أكبر قضية دولية أي سوريا، فإنّها، ولأنّها تعرف المصالح الأميركية وانسحابها من المنطقة، لم تقدم أي تنازل بخصوص سوريا أو أوكرانيا.

ماهي الخيارات المتاحة أمام سوريا ضمن المرحلة الجديدة؟ الممكن الوحيد أميركيا هو منع النظام من الانتصار ومنع الثورة من الهزيمة، وبالتالي دفعها نحو “الجهادية”، ودفع النظام لاستقدم جهاديين شيعة من إيران ومن يواليها. أخطر ما يأتي على أرضية الانسحاب الأميركي، وباستمرار النظام في خياره الأمني والمعارضة في انتهازيتها، وغياب رؤية وطنية لها، هو تطور الجهادية في الثورة. هذه الجهادية تنمو على خلفية فشل الدولة وتصاعد الحروب واعتماد أميركا الخيار العسكري. في مواجهتها أو ما قيل عنه الحرب على الإرهاب.

ففي سوريا تصاعدت موجة الجهاديين بدءاً بالنصرة وداعش وحركة أحرار الشام والجبهة الإسلامية. والأخيرة هي الأخطر، لأنها لا تقدم نفسها كحركة ضمن تفريعات “القاعدة”، لكنها لا تختلف عنها في شيء في ما يتعلق بمشروعها المستقبلي والمتعلق برفض الديمقراطية وإنشاء دولة إسلامية.

هذه الجبهة تهادن الشعب جزئياً الآن بسبب غلو ممارسات القاعدة في سوريا ولأنها تخوض حرباً واسعة ضد النظام. لكن الخطر يكمن في أنها أصبحت تقود المعارك في كامل المدن وبالتحالف مع جبهة النصرة، وهي وجبهة النصرة الوحيدتان مَنْ تُدعمان بشكل مستمر، ولذلك تتوسعان على حساب الجيش الحر وبقية الفصائل الوطنية والأقرب للوطنية.

فشَلُ الائتلاف في تمثيل الثورة وتصاعد دور المجموعات الجهادية. كما أن غياب أي أفق لأي حل سياسي، ومنع انتصار إحد الطرفين على بعضهما، ستكون له مآلات كارثية على السوريين أكثر مما تمّ حتى الآن، أي أكثر من دمار ثلث سوريا وتهجير أكثر من تسعة ملايين خارج وداخل البلاد، وقتل أكثر من مائتي ألف قتيل، وتفتت مجتمعي على أساس الدين والعرق والجنس.

إضافة إلى عنجهية النظام بإطلاق عملية الانتخابات، يتحول الوضع الداخلي إلى كارثة على كافة الصعد. ففي لبنان تعطل انتخاب الرئيس، وفي العراق ستتصاعد الحرب الداخلية سيما بعد الانتخابات، وفي تركيا يستمر الشحن على أساس قومي وطائفي، عدا عن كارثة اللاجئين بالنسبة إلى دول الجوار. هذه النقاط تشكل عامل ضغط كبير على روسيا وأميركا لإحداث تغيير في موقفهما الداعم للتوازن والذهاب نحو مرحلة انتقالية جادة.

ستتفاقم نتائج الانسحاب في منطقتنا، ولكن ربما من ناحية أخرى وبسبب مخاطر استنقاع الوضع السوري، قد يكون هناك تدخلٌ ضاغطٌ، ولكن هذا الميل يتضارب مع غياب التوافق بين الروس وأميركا في ما يخص مستقبل سوريا.


كاتب سوري

8