لا حرفَ جرّ يجرّكِ يا بغداد

السبت 2014/10/18

سأشيلُ الليلةَ الغطاء وأفتحُ حلقَ جُبِّ اللغة. سأوشوشُ في آذان الحروفِ، وسأجرجرها ورائي مثلَ لعبةٍ عتيقةٍ تدوزنُ الذاكرةَ بملهاة مبهجة: هذا قطار السريع عيعو، يمشي ويغنّي ويبيع عيعو. سأعودُ مهرولاً مرحاً إلى درس القراءة الخلدونية الحميم، وسأقطفُ من سرّتهِ، السؤالَ الأزليَّ الماجد: إلى متى يبقى البعيرُ على التلِّ؟

سألبسُ قميصاً دلِعاً مفتوحة زنقتُهُ على أوّلِ شعْرات الفحولة، وأقيمُ وليمةَ حرشةٍ جماعيةٍ وقودُها أخوات كانَ ورضيعات إنَّ. سأُقيمُ تمثالاً ضخماً معمولاً من برونز الكلام، للولد الشقيّ القويِّ غليظ القلبِ والبنيان نائب الفاعل، وأجعلهُ مَرجمةً مشاعةً للثائرين المظلومين، وهذا واحدٌ وضيعٌ دونيٌّ، يذبحُ الضحيةَ ويشويها ويأكلها، ثمّ يُسندُ ظهرهُ المستقيم على فعلٍ غِفْلٍ مبنيّ للمجهول.

سأتحركشُ بنون النسوان، وأقيمُ خيمةَ عزاءٍ ومَلطمةٍ على المخلوقة المغدورة تاء التأنيث الساكنة التي صيّرها النُحّات مضحكةً وهزأةً وقالوا فيها أنها لا محلَّ لها من الإعراب. سأفتحُ فميَ على مصاريعهِ وأضحكُ بقوة ألفٍ من صنف عادل إمام، على قبيلةِ حروف الجرِّ الجارّةِ بقوة العادة والسليقة، وأكتبُ بالقلمِ العريض أنني الآنَ سأُسافرُ إلى بغدادَ، وساعة يزعلُ عليَّ حرفُ الجرِّ “إلى” سأنفخُ بوجههِ القاسي وأقولُ لهُ: صهْ يا خنزير يا واطئ يا أدبسزّ، هذهِ بغدادُ أُمُّ البلاد المتبغددة القُحّ، نارٌ على عَلَمٍ ممنوعةٌ من الجرِّ، فلا أنتَ ولا الباء ولا الّلام، بمستطاعكم جرَّ شعرةٍ فائضةٍ من جديلتها المبروكة.

سأزرعُ في سندانةِ الدارِ، شتلاتٍ ملوناتٍ من علَّ وعسى ولعلَّ وليتَ ولو، وأسقيها بمائيَ فإنْ شحَّ فماء العين، فإنْ نضب فبدميَ، فإن نشفَ فبحرفيَ وذلك أضعفُ عشق العاشقين الدراويش.

سأُقدّمُ الخبرَ على المبتدأ رحمةً ونعمةً وبرداً على قلوبِ الرعيةِ، فإن غضب المبتدأ وجه البومة، سأركلهُ على مؤخرتهِ وأرميه في سلة زبل اللغة.

سأفضحُ فضحاً مُجلجلاً الضمائر المستترة، إذ لا معنىً أخلاقيّاً لقولنا: لقد سرقَ الخزنةَ والذهبَ وأطلقَ رجليه للريح وهربَ، ثم يأتيكَ قاضي قضاة الجملة العلّة، فيخدعكَ ويمصّ ما تبقّى من عافيتك ويذهب بكَ مذهبَ إنَّ سَرَقَ هو فعلٌ ماضٍ منصوب بالفتحة الراقصة على قافهِ، وإنّ الخزنةَ والذهبَ مفعولٌ بهما وانَّ الفاعلَ ضميرٌ مستترٌ خفيُّ تقديرهُ هوَ.

سأذهبُ صوب ملاذ كنز اللغة حمّالة الوجوه والمعاني والدهشات والأواني وأبصمْ :آهٍ يا بلدي الحلوة. لقد قَتَلَكِ أهلُكِ والغزاة.

24