لا حرية ولا انتقالا ديمقراطيا في تونس إلا بحرية الإعلام

الثلاثاء 2013/09/17

لم تنهض أمة عبر التاريخ الحديث وإعلامها مقيد مكبل وخاضع لإرادة ونزوات السلطة القائمة، وصحفيوها عرضة للتضييق والتنكيل والتهديد بالموت. ولم ينجح انتقال ديمقراطي في العالم إن لم تتوفر له مقومات جوهرية من دونها لا يستقيم مساره ويكون مآله الفوضى والعدم. ولعل أهم تلك المقومات، استتباب الأمن والاستقرار والسلم الاجتماعي، وضمان الحريات الفردية والجماعية بما فيها حرية الإعلام والفكر والعقيدة والانتماء ومساواة الجميع أمام العدالة عبر استقلال القضاء وسيادة القانون وأخيرا ضرورة تحلي منظومة الحكم بالصدق والشفافية مع الرأي العام وتحمل مسؤولية الفشل عند حدوثه.

وليس بوسع عاقل إلا الإقرار بكل تجرد وموضوعية وبكل مرارة وإحباط، أن الترويكا قد فشلت منذ توليها مقاليد الأمور في تونس في حماية الحريات وضمان استقلال القضاء والحفاظ على الأمن وتنمية الاقتصاد، علاوة على أنها تعاملت منذ بداية عهدها مع التونسيين بكل تعال وغرور وفئوية. فهذا الائتلاف الحكومي، الذي تفاءل به التونسيون خيرا بعد انتخابات أكتوبر 2011، أجهض آمالهم ولم ينجز لهم شيئا يستحق الذكر سوى أن تخبطه وضعف أدائه وانعدام كفاءة وأهلية بعض من ولاهم مناصب حكومية وإدارية، وضعت تونس على «كف عفريت».

فالبلاد تعاني من انسداد تام في الأفق وهي على حافة الإفلاس اقتصاديا وماليا. الدولة فاشلة والأمن منخرم والاغتيالات السياسية باتت ممارسة عادية، والجيش مورط في معارك «مستوردة» تستنزف قدراته المتواضعة، ورئاسة الجمهورية مهمشة ومعزولة والمجتمع متفكك ومنهك. فكان المآل الحتمي لهذه الكارثة الوطنية أن ساد الخوف واستشرى الفساد وتفشى الفقر، وتعطل الانتقال الديمقراطي. غير أن الائتلاف الحاكم مصاب على ما يبدو بعمى الألوان وقصور الذاكرة، فظل متشبثا بالسلطة غير آبه بالتبعات المدمرة لاستمراره بذريعة أنه لا يريد «تسليم مصير البلاد إلى المجهول».

وما يعنينا في هذه الصورة القاتمة هو تعامل منظومة الحكم مع قطاع الإعلام منذ توليها مقاليد الأمور بعد انتخابات 2011، إذ لا يحتاج اليوم أي مراقب للساحة السياسية والإعلامية في تونس إلى مجهر ليتبين أن السلطة الحاكمة مارست أصنافا عدة من الضغط لتدجين الإعلام العمومي، ولترويض الإعلام الخاص وتهجينه، سيما ذلك الإعلام المؤمن أن حرية الرأي هي حتى الآن المكسب الحقيقي الوحيد لثورة 14 يناير.

فكانت النتيجة أن تحول الإعلام المنتقد لسياسات الحكومة وخياراتها إلى ما يسميه أنصار الائتلاف الحاكم ومليشيات روابط حماية الثورة المؤيدة له «إعلام العار»، وأصبح كل إعلامي مستقل برأيه ومحافظا على كرامته المهنية عرضة للتهديد والابتزاز وتم توظيف القضاء وإغراقه في قضايا هامشية لتحييد وسائل الإعلام «المشاغبة» وإسكات الأصوات التي ترفض الخضوع والتغاضي عن سياسات الفشل والمحسوبية.

وبالتوازي مع ضيق الأفق السياسي وفشل منظومة الحكم في إدارة الانتقال الديمقراطي وشعورها أن زمام الأمور أفلت من يدها، تصاعدت الاعتداءات على الإعلاميين وتوالت انتهاكات حرمتهم الجسدية والمهنية وتهديدهم في مورد رزقهم وأحيانا في حياتهم بشكل غير مسبوق حتى في أحلك فترات النظام السابق. ولولا نضال الصحفيين والإعلاميين التونسيين في مواقع عملهم وضمن هياكلهم النقابية والمهنية، وعلى رأسها النقابة الوطنية للصحفيين التي تقف اليوم في وجه الهيمنة والمحسوبية وسيطرة المال على حرية الرأي، لتحول المشهد الإعلامي التونسي في عصر «الانتقال الديمقراطي» إلى ساحة للميوعة والمساومة.

وقد بلغ التصادم في العلاقة بين الحكومة والإعلام درجة من العبثية جعلت بعض الحالات تتحول إلى مهازل حقيقية. ففي تونس اليوم، يتعرض الشاعر محمد الصغير أولاد أحمد إلى التهديد بالقتل لمجرد أنه يندد بمنظومة الحكم وينتقد علنا مرجعياتها الفكرية. وفي تونس اليوم يتعرض كل من المخرج التلفزيوني نصر الدين السهيلي والمصور مراد المحرزي إلى الاعتقال والمحاكمة بتهمة «الاعتداء» على وزير الثقافة.

وفي تونس اليوم يتم التحقيق مع مدير قناة «الحوار التونسي» المناضل الطاهر بن حسين لمجرد أنه يعتبر أن حكومة الترويكا فاقدة للشرعية ويتعين إسقاطها بالطرق السلمية. وفي تونس اليوم يتم إنهاء خدمات الإعلامي سفيان بن فرحات من إذعة «شمس FM» لأنه استقال من أحد أشهر البرامج الحوارية على قناة «نسمة» الخاصة بسبب اعتراضه على ما يشاع أنه تغيير في السياسة التحريرية لصالح المنظومة الحاكمة. وفي تونس اليوم عشرات الصحفيين والإعلاميين بعضهم من هو مضرب عن الطعام احتجاجا على الانتهاكات المتكررة لحرية الإعلام مثل الصحفي أحمد أمين سعد وزميله سفيان بن فرحات وبعضهم مهدد في مورد رزقه سيما بين العاملين في القطاع العام، وبعضهم، مهدد في حياته بسبب آرائه ومعارضته للممارسات السائدة، وهو يعيش الفزع في حماية قوات الأمن.

ومما يزيد الصورة قتامة أن معظم القنوات الفضائية التونسية الخاصة تتخبط وسط فوضى تشريعية عارمة وفراغ قانوني ناجم عن عدم اكتراث حكومي حال دون تسوية وضعيتها ومنحها التراخيص الضرورية لتشغيلها في إطار قانوني، ومعظمها اليوم لا يزال يبث على أساس تجريبي وهي تخوض صراعا بلا رحمة من أجل البقاء وتوفير الموارد المالية التي تضمن استمرار بثها، مما يدفع بعضها إلى التغاضي ولو مكرهة عن المهنية والقيم الصحفية والاستسلام لنزوات السلطة الحاكمة ولإغراءات «المال السياسي» المحلي والأجنبي. وحتى الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري التي أنشأت في مايو الماضي لإصلاح المشهد الإعلامي، وتسوية وضعيات القنوات الإذاعية والتلفزيونية تبدو مكبلة اليدين بسبب المأزق السياسي وهيمنة الحكومة على التعيينات على رأس وسائل الإعلام العمومي.

ما يحدث في المشهد التونسي من محاولة للسيطرة على وسائل الإعلام وإخضاعها لإرادة السلطة وخنق الحريات يهدد بإجهاض مسيرة الانتقال الديمقراطي. ولو تحلت السلطة الحاكمة بحد أدني من الواقعية وجنحت إلى إعلاء مصلحة الوطن، لتبين لها أنها تخوض معركة خاسرة ضد الإعلام الحر وأنه أجدر بها، ترك سياسة التضييق على وسائل الإعلام من أجل إنجاح هذه الفترة الانتقالية التي ستحدد مستقبل تونس ومصير التونسيين جميعا، بمن فيهم من هم اليوم في سدة الحكم.


إعلامي تونسي

9