لا حكومة في العراق في ظل الميليشيات

الثلاثاء 2015/03/24

حاول رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي أن يكون النقيض لسلفه في المنصب نوري المالكي، لكن محاولته حتى هذه اللحظة لم تنجح، ولا أظنها ستثمر إيجابيا خلال السنوات المقبلة.

كان الفخ الذي نصبه المالكي لخلفه أكثر تعقيدا من أن ينجو منه ذلك الخلف، أو يتمكن من حل ألغازه كلها. ولم يكن ذلك الفخ سوى داعش، ذلك التنظيم الإرهابي المؤلف من مجموعة من قطاع الطرق، والذي استطاع، بخفة وفي وقت قياسي ومن غير أن يتكبد عناء الدخول في معركة، أن يحتل مساحة كبيرة من الأراضي العراقية وعددا من المدن الرئيسية.

لقد نجحت خطة المالكي في تقييد حركة خلفه بشروط حقبته التي شهد العراق فيها أسوأ مراحله في التاريخ المعاصر على جميع الأصعدة.

فعبر ثمان سنوات من الحكم الطائفي صار العراق مضرب مثل عالمي في الفساد المالي والإداري، وهو ما جعل منه هدفا للصوص والمرتزقة والمحتالين والمهرّبين القادمين من مختلف أنحاء العالم بمشاريع وهمية، كانوا يقتسمون أموالها مع المالكي نفسه ومن حوله مجموعة من المنتفعين والانتهازيين.

وللتغطية على ذلك الفساد الكارثي أمعن المالكي في سياساته الطائفية القائمة على التهميش والعزل والقمع، وهو ما أدى إلى أن تدير أطياف مهمة من الشعب العراقي ظهرها لبغداد. ذلك ما مهد للمالكي لكي ينتقل إلى الخطوة الأكثر خطورة في مشروعه، والمتمثلة في إفراغ الجيش من محتواه الوطني وتحويله إلى نوع من الميليشيا.

لذلك فإن تنظيم داعش لم يجد أمامه جيشا لكي يهزمه، فالجيش كان قد هُزم من قبل على يد المالكي وهو الذي كان ولا يزال يقدم الدفاع عن المذهب على حماية الوطن، ونموذجه الأعلى في ذلك يتمثل بالحرس الثوري الإيراني.

لقد أُسقط في يد العبادي حين اكتشف أنه استلم دولة وهمية ينخرها الفساد، بجيش يتألف من جنود فضائيين، لا وجود لهم في الخدمة الفعلية. وإذا ما كان الرجل في أول أيامه متحمسا للمصالحة الوطنية، بالمعنى الترميمي القائم على فكرة إصلاح الوضع السيئ الذي نتج عن سياسات سلفه، فإن وجود داعش قوة احتلال على ثلث مساحة العراق جعله يرجئ مشروعه الإصلاحي إلى وقت قد لا تتسع له حقبته في الحكم.

كان أسوأ ما واجهه العبادي أن حكومته لم تكن تمتلك الأدوات لمواجهة داعش عسكريا. فالقوات المسلحة كانت قد تبخرت ولم يكن أمام العبادي سوى أن يخضع لإملاءات المالكي المدعومة إيرانيا في إسناد تلك المواجهة إلى ما سمي بـ”الحشد الشعبي”، وهو عبارة عن تجمع لعدد من الميليشيات الشيعية أو عبارة عن حرس ثوري مصغر.

لذلك ليس غريبا أن يضطلع قاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني بالدور الأكبر في إدارة معركة الحشد الشعبي، يعينه في ذلك هادي العامري وهو زعيم منظمة بدر، التي عرفت بولائها لإيران وعدائها للعراق.

بين سليماني والعامري لن يجد العبادي له مكانا. فما يفعله الإثنان لا يمكن أن يترك للإصلاح محلا. الرجلان من العينة نفسها التي ينتسب إليها المالكي، وهي عينة ترى الشر كله مجسدا في المناطق التي تحتلها داعش. ولا ترى في سكان تلك المناطق إلا أحفادا لقتلة الإمام الحسين. وهو ما يجعلنا نفهم السبب الذي رفعت من أجله الرايات السوداء المزينة بشعار “لبيك يا حسين”.

العبادي اليوم يُساق مجبرا، لا مخيرا، إلى أن يكون شاهد زور في حقبة سيُراق فيها الدم العراقي إرضاء لإيران وهي تشبع رغبتها في الانتقام من العراقيين. كان على العبادي أن يدرك أن وجوده الصوري سيكون ملهاة للميليشيات.

كاتب عراقي

9