لا حل دون تفكيك بنى الأزمة السورية

الاثنين 2014/01/27

بكرّت الأطراف الدولية بدعوتها قيام مؤتمر لحل الأزمة السورية، لم تكن في الأفق علامات تشير إلى إمكانية إقلاع قطار التسوية من المحطة السويسرية. رغبة بعض الدول، لو افترضنا أنها موجودة، والتكتيكات السياسية التي تمارسها أطراف الصراع في إطار اللعبة السياسية، مؤشرات لا تكفي لصناعة حل للأزمة.

ليست الأطراف الحاضرة للمؤتمر هي التي تتحكم في ساحة الصراع. تطوّرات الحرب حولتها إلى مجرد واجهات، هذا الأمر ينطبق على كل الأطراف المنخرطة في الأزمة، الداخلية منها والخارجية، فللحرب بنيتها الخاصة والدافعة إلى استمرار عمل آلتها، هذه البنية موجودة في قلب النظام السوري وفي قلب الثورة، وداخل وزارات الدفاع والحرب ووزارات الخارجية لدى كل الدول.

للحرب أيضاً صيرورتها، وهي تصرّ على إكمالها، ليست للأمر علاقة بالحتميات ولا تنجيماً بالغيب، بل القضية لها علاقة ببنية تشكلت بحكم الأمر الواقع وكنمط استجابة لظروف واقعية، ثم صارت بحكم الأمر الواقع أيضاً نظاماً متكاملاً له مدخلاته ومخرجاته، وينطوي على مؤيديه الضامنين لاستمرارهم، كما ينطوي على نمط من العلاقات التي يصبح فصمها مستحيلاً.

يندرج الأمر أيضاً على البعد الإقليمي المحيط للحرب، والحاضن لها، وخاصة في ظل وجود خريطة متشابكة ومعقدة، إثنياً وجغرافياً، كالخريطة التي ينطوي عليها المشهد السوري، إذ يتضح أن أول عنصر تضربه هذه الأزمة بتفاعلاتها وارتداداتها، هي الحدود التي تتحول إلى حالة سائلة تتشكل على هامشها جملة من المصالح الجديدة تقوم على تهريب الأسلحة واللاجئين. يحصل ذلك بالتزامن مع تضعضع المراكز الأساسية في الإقليم جراء صدمة الحرب، ونتيجة انحراف بنية صناعة القرار في تلك المراكز عن مهمتها الرئيسية وتحولها إلى طرف صراعي، استجابة لطبيعتها الأيديولوجية والإثنية في الغالب، وهو الأمر الذي يضيف تعقيدات على هذا النوع من الأزمات لا يلبث أن يندمج بها ويحولها إلى معطى ثابت ونهائي.

ولّد اندراج الأزمة في السياق الدولي جملة من التعقيدات المتشابهة، إذ لم تقف القضية على تعميق خطوط الانقسام الدولي، وتلك نتيجة، أما الواقع، فيتزامن مع تفجر الأزمة في ظرف دولي منحرف كان يبحث عن منابر يعبر من خلالها عن حالة الانحراف تلك وحالة الثورة على عالم القطبية الأوحد الذي فرضته أميركا على العالم عقب انتصارها على الشيوعية، وأرادت أن تحوله إلى معطى نهائي ونهاية للتاريخ. وفوق ذلك تشكلت داخل تلك القوى بنى ومراكز لها علاقة بالأزمة السورية، ربما ليس بالتعيين الدقيق، سوريا الجغرافية والنظام السياسي، وإنما بوصفها حالة سياسية استراتجية، وبصفتها مختبراً لصراع القوى وفحص القدرة وحدودها.

على هامش تلك التعقيدات يجري طرح حل الأزمة السورية، دون عناء محاولة تفكيك تلك التعقيدات التي تكتنفها تلك الشبكة، وهو ما يمكن تفسيره وفق احتمالين لا ثالث لهما.

الأول: أن جميع الأطراف الذاهبة إلى التفاوض إنما ذهبت لتستكشف مدى الوهن الذي أصاب الطرف الآخر، أو ما هي استعداداته للمرحلة القادمة، وفي الحالتين جاءت تلك الأطراف معتمرة خوذتها العسكرية، وبالتالي تخلو جيوبها من أي مبادرة سياسية حقيقية.

الثاني: إن الحرب صارت فوق قدرة الأطراف على الحل، وبالتالي فإن كل طرف يذهب بقصد إجراء عملية تلاقح للمقاربات المختلفة عسى أن ينتج عن ذلك مقاربة تضمن مصالح الأطراف كلها، وتفتح نافذة للخروج من هذا الكباش الذي بات يهدد بالانسحاب على ملفات دولية عديدة.

في كلا الحالتين، يظهر أن حل الأزمة لازال عجراً، لم ينضج بعد، ولازالت الأمور، رغم كارثيتها على الحيز السوري وقاطنيه، بحاجة إلى جولات أكثر سخونة تكون كفيلة بإنضاج ثمرة الحل.

كاتب سوري

8