لا حل للمشكلة القومية في سوريا خارج المواطنة

الجمعة 2015/06/19

شكل غياب إجماع بين الأكراد والعرب على تحديد حقوق الأكراد في سوريا أساس المشكلة بين هذه القوميات، فبينما اعتبر أغلبية السوريين أن للأكراد حقوق المواطنة ذاتها التي للعرب في المستقبل، فإن الأكراد طرحوا مبدأ القومية الثانية أو الشعب الكردي، وهناك من قال بكردستان الغربية ورفضوا اعتبارهم أقلية في سوريا.

هذا الموضوع باعد بين المعارضة العربية والمعارضة الكردية، واختلف الأكراد أنفسهم بخصوص من يمثلهم وحول الموقف من النظام، فبينما مال حزب الاتحاد الكردستاني، أحد أحزاب هيئة التنسيق ويطالب بالحل السياسي، إلى إقامة إدارة ذاتية فأعطاه النظام السلاح وأخلى له المناطق وحوله إلى سلطة في عفرين والقامشلي وعامودا، وكان قبل ذلك يرفض قيام أي علاقات مع فصائل الجيش الحر، ويمنع الأخير من الدخول إلى المناطق التي فيها أكثرية كردية، ورفض كل شكل للتنسيق بين العرب والأكراد باستثناء من يوافق على معاداة الثورة، واصل بقية الأكراد، من مستقلين وقوى سياسية، رفض النظام ومعـارضة سياسة هذا الحزب الذي يعد جزءا من حزب العمال الكردستاني التركي وهو متحالف مع النظام السوري وإيران حتى الآن، لذلك تمت ملاحقة هذه القوى من النظام السوري ومن قوات الاتحاد الكردستاني.

ساهمت إطالة عمر الثورة وغياب التوافق بين القوميات وتوسع العمل العسكري ومع ظهور داعش في انقطاع الصلات تقريباً بين العرب والأكرد وفي ارتفاع منسوب العداء، فالأكراد يَعتبرون العرب دواعش، والعرب يعتبرون الأكراد انفصاليين بل متصالحين مع النظام الذي يقتلهم يوميا.

لاشك أن الأكراد، عانوا من ظلم دام لعقود متتالية، يتمثل في رفض تجنيس جزء منهم ورفض عاداتهم والكتابة باللغة الكردية وتغيير أسماء بعض القرى وتوطين عرب الغمر في مناطق غالبيتها أكراد وغيرها من المظاهر. وقد أقرت أغلبية السوريين بحقهم التاريخي، وبأن هذه المشكلات تندرج ضمن حقوق المواطنة الضامنة لحقوق الأفراد في دولة يعيشون فيها منذ عقود، وفي هذا لا تطرح مسألة هل أن جزءا من الأكرد سوريون بالأصل، أم قادمون من تركيا، بل أن المسألة تقارب من زاوية أن المظالم يجب أن تزول لأنها تتناقض مع حقوق المواطنة.

المشكلة التي برزت هي دور حزب الاتحاد الكردستاني في كل ما يحدث في سوريا منذ بداية الثورة، فعلاقة الحزب بالنظام لا تزال مستمرة في مدن القامشلي والحسكة ودمشق وسواها، وبالتالي فإن كل ما يفعله يتم بغض نظر من النظام أو بتنسيق معه، وهذا ما سبب ضررا كبيرا ونزوحا كبيرا للعرب في منطقة تل أبيض، وقبل أكثر من عام حدثت انتهاكات إنسانية اعتبرت مجازر بحق عربٍ في مناطق ضمن الحسكة. إن الكثير من ممارسات هذا الحزب لا يمكن وصفها إلا بالتهجير شبه الممنهج، حيث يطلب من الأهالي ترك قراهم وبلداتهم. ويتم النزوح ضمن حالة هلعٍ وخوف من الثأر مما حدث سواء بسبب تهجير فصائل مسلحة عربية للأكراد، أو بسبب اعتبار هذا الحزب كل العرب دواعش أو حواضن لداعش، وبالتالي هناك ممارسات متبادلة من الأكراد والعرب، ودون معالجتها ستؤسس لصدامات بينهما لاحقاً.

هذا الخلاف انتقل إلى سجالٍ قاسٍ بين المثقفين على صفحات التواصل الاجتماعي، وجال بمسائل كثيرة، ومنها نقاش تغيير أسماء لقرى واستحضار لكل ما تعرض له الأكراد قديما وحديثا، ونشر المثقفون خرائط تثبت وأخرى تنفي تواجد الأكراد تاريخياً. وهناك من غالى من الأكراد وراح يسبغ على قرى عربية أسماء وأصولا كردية.

شكل النقاش أوضح خطورة غياب التوافق على حقوق الأكراد، وغياب التفكير بحل وفق مفهوم المواطنة لهذه القضية، وأوضح أن الكثير من المثقفين مساقون بمواقف الأحزاب السياسية، وبذلك يتخلى المثقف عن دوره في المعالجة الموضوعية، ويرتهن لموقف حزبي قابل للتغيير وفقاً للمصالح في أي لحظة. ما يجب عدم نسيانه هنا أن هذا الأمر لم يُحل بقوة الدولة سابقاً، ولن يحل حالياً بقوة سلاح الاتحاد الكردستاني الذي يعتمد سياسة تهجير العرب.

إذا لم يقرَّ الأكراد بأن حقوقهم تصان أساسا وفق مبدأ المواطنة وهو مبدأ مجمع عليه في سوريا، وهو وحده ما يضمن حقوق الأكراد والعرب والتركمان وبقية القوميات الكبيرة أو الصغيرة، فإن صراعات عسكرية لاحقة ستندلع لا محالة، وسيخسر الأكراد حكما لأسباب عديدة.

في هذا الصدد تثار مسألة في غاية الحساسية، وهي هل في سوريا أجزاء من “كردستان الغربية” فعلاً، أي هل أن تقسيم الحدود قبل أكثر من قرن هو سبب تقسيم أرضي الأكراد وإلحاقهم بدولٍ أخرى، وهذه قضية مختلف عليها كثيراً، فالأرض يقال أنها سريانية وأيضاً عربية وأن كثيرا من الأكراد أتوا من تركيا، وهناك من يدعي أن الأكراد السوريين شعب وله الحق بتقرير مصيره بما في ذلك الانفصال، ومقابل ذلك ترى قراءات أخرى أنه ما دام هناك اختلاف على الأرض وانقطاع بين المناطق ذات الأغلبية الكردية وبين العدد الكبير من الأكراد في دمشق، فكيف سيتم الانفصال؟ في هذا يتصاعد النقاش بخصوص تل أبيض والقرى المحيطة به، فتهجير السكان يعني فتح المجال لربط عفرين بالحسكة؟ وهناك من يقول بأنهم أقلية قومية وهي ما يجمع عليه معظم غير الأكراد في سوريا، وهناك من يقول بأنهم القومية الثانية، وهم فعلاً القومية الثانية، ولكن بين العرب والأكراد، بالمعنى العددي، فوارق بالملايين، فكيف ستعالج هذه القضية وإعطاء القوميتين الحقوق ذاتها في سوريا.

الجدل هذا أكثر من ضروري، ولكنه يخاض بطريقة تكفيرية وهنا الإشكال، ولكن هذه الفكرة بالتحديد، أي ماذا يشكل الأكراد في سوريا، هي الإشكال الكبير القائم أمام الأكراد، فأغلبية السوريين من غير الأكراد يقرون بمبدأ المواطنة، ويميلون لاعتبارهم أقلية قومية لها حقوقها، وإنصافها يجب أن يحصل وفق مبدأ المواطنة ومبدأ الأقلية القومية. ودون ذلك سيكون لدينا إشكال كبير في العلاقة بين الأكراد والعرب في سوريا.

كاتب سوري

8