لا حياة خاصة للمربي

الأحد 2017/09/03

كنتيجة لنقاش بل جدال دار ذات مرّة بيني وبين أصدقائي الذين ينتمون إلى قطاعات مهنية ووظائف مختلفة باستثناء التعليم، رسّخ هذا الحوار المتكرّر لديّ أن بعض الناس يكونون ضحية الأفكار المسبقة والمواقف المغلوطة التي تتّخذ بعدا بديهيا اجتماعيا يصعب دحضه أو تعديله. من هؤلاء المربّون الذين يُتّهمون بأنهم أكثر فئة اجتماعية عاملة لا يقابل حجم الجهد المبذول الرواتب التي يتقاضونها نظير أعمالهم.

ألتمس الأعذار لأصدقائي ولأمثالهم وأجد المبرّر الموضوعي لاعتقادهم بأن المدرّس أكثر الناس تمتّعا بالحياة وأن مهنة التدريس مريحة ولا تتطلب جهدا مضنيا للقيام بها لأنّ أيّ حكم نظريّ لا تدعّمه التجربة يكون منقوصا بالضرورة إن لم نقل مشوّها.

الناس لا يستطيعون تمثّل حجم الجهد والمعاناة اللذين يتكبّدهما المدرّس لأنهم وبطريقة عملية بسيطة يحتسبون عمل المربي بالساعات المدوّنة في جدوله والتي لا تتعدّى العشرين ساعة أسبوعيا والتي إذا قورنت بالأربعين ساعة التي يقضيها موظف آخر في عمل آخر توحي بالجنّة التي يعيشها المربون.

ما لا يعرفه غير المدرّسين أبناء قطاع التعليم أن الحياة الأسرية للمربي مهدّدة دوما بالانهيار، لأنّ عمله لا يقتصر على الساعات التي يقضيها في الفصل مع تلامذته، فكل درس يقدّم إلى التلاميذ يسبقه تفكير عميق وبرمجة دقيقة جدّا لمراحل الحصّة، ويُتبع ذلك ببحث مضن في الكتب والوسائل التعليمية المختلفة ليوازي المربّي بين المادّة المقدّمة والطريقة التنشيطية لتقديمها، لكي لا تكون مجرّد تلقين أعمى يصبح بها التلميذ وكأنه يحمل أسفارا لا يعرف محتواها، ثمّ يقيّم ما أنجز ويقوّم الاعوجاج فيه بالبحث عن التمارين والتطبيقات المناسبة. أضف إلى ذلك التفكير في مواضيع الامتحانات بما يتوافق مع ما قُدّم للتلاميذ والتفكير في النظام الجزائي لإصلاحها، ثمّ السهر ليالي طويلة لإصلاحها وإسناد الأعداد بطريقة عادلة.

هذه العملية الروتينية اليومية يتضاعف فيها حجم التوقيت الذي يقضيه في الفصل مرّتين، وبعملية حسابية إذا كان الموظف في القطاعات الأخرى يكتفي بالأربعين ساعة عمل في المكتب أو المصنع أو غيره ثمّ يهتمّ بشؤونه وشؤون عائلته الخاصة، فإن المدرس يعمل قرابة الستين ساعة أسبوعيا ما يعني أن أيام آخر الأسبوع وأوقات الفراغ الليلية والعطل ليست ملكه وملك عائلته، بل يكرّسها ليكون درسه منظما ومفيدا وذا مردودية.

هل للمدرّس حياة خاصّة يعيشها بسلام مع عائلته؟ الإجابة “المجازية” أن المربي كالشمعة تذوي رويدا رويدا لتنير دروب تلامذته. أما الإجابة الأقرب إلى الواقع المعيش أنه يجتهد ليوفّق بين متطلّبات عمله الحسّاس جدّا لأن الأجيال التي يدرّسها هي التي ستستلم مشعل قيادة البلاد مستقبلا ولن تنجح في ذلك إذا فشل المدرس في أداء واجبه -أتحدّث هنا تحديدا عن الفئة المناضلة في قطاع التعليم وهي تمثل السواد الأعظم من منتسبيه- وبين متطلبات أسرته، فهو الابن والزوج والأب والأخ والصديق وما يتطلبه كل ذلك من التزامات عاطفية ونفسية وذهنية وجسدية ومالية.

لاحظتُ -وأنا ابن القطاع- أن الكثير من المدرّسين والمدرسات لم يوفقوا في حياتهم الزوجية لأنهم تشتّتوا بين الواجب المهني والواجب الأسري وأهملوهما معا أحيانا. كما عاينت أيضا بالتجربة أن الكثير من أبناء المدرّسين فشلوا فشلا نسبيا بمعنى أنهم لم يتجاوزوا ملاحظة متوسط ويصارعون من أجل الحصول على المعدّل الأدنى الذي يسمح لهم بالمواصلة ولم يستطيعوا أن يتبوّؤوا مكانا بين النخبة المتميزة، أو فشلا كليا فيغادرون مقاعد الدراسة باكرا، والمفارقة أن آباءهم أو أمهاتهم من المدرّسين المشهود لهم بالكفاءة.

بكل بساطة المدرسون من أصحاب الضمائر الحية خاصة يضحّون بحياتهم وبعائلاتهم وبعلاقاتهم الاجتماعية في سبيل أداء واجبهم المهني الذي يعتبرونه رسالتهم الوحيدة في الحياة، بذلك فهم يفقدون “حياتهم الخاصة” حين تصبح لا معنى لها خارج أسوار المدرسة، بما يشبه الهوس.

يعيش المدرّس والمدرّسة على حدّ السواء جملة من الضغوط النفسية التي تنعكس حتما على علاقتهما بأفراد أسرتيهما، وخاصة حين لا يستطيعان الخروج عن دائرة المدرسة والدرس والتلميذ، فتغدو جميع تصرفاتهما امتدادا لهذه الدائرة، ولا يرضى شريكا حياتهما بأن يكونا تلميذين برتبة زوجين، ولا يرضى أطفالهما أيضا أن يكونوا ملتزمين التزام الفصول في حياتهم العادية.

نعود إلى “البديهية السائدة” بأن مهنة التدريس من أكثر المهن راحة، فنعدّلها برأي من يشقى بها، حتى أنها تساهم أحيانا كثيرة في تقويض الحياة الزوجية والأسرية، أو الحكم على ممتهنيها بعدم القدرة على تأسيس عائلة أصلا. فنسبة الطلاق والعنوسة مرتفعة في صفوف أبناء قطاع التعليم مقارنة بغيرهم.

مهنة التدريس مصنّفة عالميا من طرف أخصائيي التربية والتعليم ومعاهد ومنظمات الشغل والهيئات التابعة للأمم المتحدة في المرتبة الثانية على قائمة المهن الشاقة بعد عمال المناجم، وهي حقيقة من شأنها أن تعدّل الرؤية السائدة.

كاتب تونسي

21