لا حياة للمدينة الحديثة من دون فيلم سينمائي

السينما هي مدينة لا نهاية لها من الاتساع والمدينة ليست سوى فيلم لا تنتهي أحداثه، والقاهرة جوهرة الأفلام المصرية والعالمية.
الاثنين 2018/06/25
الشوارع ملهمة الكاميرا

يسافر قلم الناقد محمود قاسم، في كتابه “المدينة والفيلم”، الصادر مؤخرا عن وكالة الصحافة العربية ناشرون، ليبيّن كيف سجلت الكاميرا عبقرية المدن، وقد دأبت السينما على تصوير المدينة، وما يحدث فيها، لدرجة أن السينما هي مدينة لا نهاية لها من الاتساع، وأن المدينة ليست سوى فيلم لا تنتهي أحداثه، في حالة مستمرة، من العرض لا يعرف التوقف.

وفي كل فنون السينما في العالم، لاحظنا مدى العلاقة الجبرية بين الفيلم والمدينة، فعلى مستوى الصناعة، فإن السينما لم تزدهر سوى في المدينة، وقد قامت صناعة السينما في المدن الكبرى، مثل هوليود (لوس أنجلس) وباريس وروما والقاهرة وبكين ونيودلهي.

أما عن الموضوعات، فإن المدينة موجودة في القصص، حتى في السينما الصحراوية، أو الريفية فإن هناك رجلا من المدينة يأتي إلى هذه الأماكن، للإقامة المؤقتة أو الدائمة، يقول محمود قاسم “لا شك في أن الرجوع إلى كلمة ‘مدينة‘ في عناوين الأفلام يعطي تعبيرا مختصرا عن أشياء كثيرة تدور في هذا المكان المتسع″، ولعل من العناوين المليئة أيضا بالبلاغة ذلك المأخوذ عن إحدى أقاصيص يوسف إدريس “قاع المدينة” في الفيلم الذي أخرجه حسام الدين مصطفى عام 1974، وهو عنوان مليء بالبلاغة والدلالة، إنه يتحدث عن أماكن بعينها في المدينة وبشر يسكنون هذه الأماكن.

في فنون السينما في العالم، لاحظنا مدى العلاقة الجبرية بين الفيلم والمدينة، فالسينما لم تزدهر سوى في المدينة
 

 والغريب أن الفيلم ليس عن قاع المدينة كمكان، بقدر ما هو عن حياة قاض من طبقة أرستقراطية يعيش حياة ماجنة، يستجلب امرأة فقيرة للعمل عنده كخادمة، فتصير عشيقة له.

القاهرة هي الأبرز

إذا كان اسم المدينة نفسها نادرا في أسماء الأفلام السينمائية المصرية، فإن أسماء المدن موجودة أيضا لماما، خاصة العاصمة القاهرة، فالاسم موجود في العديد من الأفلام، والغريب أن هناك فيلماً بريطانياً تم تصويره في مصر عام 1963، قامت ببطولته فاتن حمامة وكمال الشناوي وجورج ساندرز وريتشارد جونسون يحمل اسم “القاهرة”، والمدينة بالنسبة إلى صنّاع الفيلم لم تتعد أن تكون المتحف المصري الذي تجري سرقته، وأماكن الليل.

وقد برز اسم القاهرة على أفيشات أفلام قليلة للغاية، وهي أفلام تكاد تكون مجهولة، مثل “امرأة من القاهرة”، وهو أول أفلام المخرج محمد عبدالعزيز في عام 1974، ثم هناك فيلم من إنتاج مصر – البحرين باسم “حبي في القاهرة” إخراج عادل صادق عام 1966.

بالإضافة إلى أن كافة المناطق القاهرية، صارت عناوين للأفلام، خاصة المأخوذة عن روايات نجيب محفوظ، أو التي كتبها خصيصا للسينما، وهي كلها أسماء لمناطق صغيرة يعيش فيها عدد محدود من البشر مثل “بين القصرين” و”قصر الشوق” و“السكرية” و”زقاق المدق” و“خان الخليلي”، كما تحولت عناوين الأفلام إلى ”بنات وسط البلد” و”في شقة مصر الجديدة” و”باب الحديد” و”فضيحة في الزمالك” و”السكاكيني” و”درب المهابيل” و”الدرب الأحمر” و”فتوات الحسينية” و”سوق السلاح” و”كذلك في الزمالك” و”شارع محمد علي” و”شارع السد” و”الشرابية” وغيرها.

هذا بالإضافة إلى أسماء مقاه ونواد ليلية وأماكن يتردد عليها الناس بشكل دائم وجماعي. أما خارج البيوت، فإن حالة “زقاق المدق” تبدو أفضل نموذج مليء بالألفة والتقارب اللذين يجمعان بين الناس، فالمحلات متجاورة، مما يوحي بروح العائلة، بل إن الزقاق نفسه أشبه بشقة واسعة.

كيف سجلت الكاميرا عبقرية المدن
هكذا سجلت الكاميرا عبقرية المدن

المدينة الجاذبة

تكرر الأمر نفسه في أغلب الأفلام التي كتبها نجيب محفوظ، حول جزء من المدينة، سواء المأخوذة عن رواياته مثل “خان الخليلى” و”المطارد” و”شهد الملكة”، والتي كتبها مباشرة للسينما، ومنها “درب المهابيل” و”فتوات الحسينية”، فالمدينة رغم اتساعها فإنها تبدو ضيقة بأهلها وسكانها.

فحميدة في “زقاق المدق” التي تستجيب إلى فرج بأن تذهب إلى منطقة عمادالدين محكوم عليه بالموت، ولا تعود إلا جثة هامدة، والأم في “الثلاثية” طردها زوجها من جنته، لمجرد خروجها من البيت مرة واحدة، لزيارة ضريح الحسين، وفي درب “المهابيل” فإن الحلم بالثروة والحصول على المال لا يرتبطان قط بالخروج من المكان.

وقد ظلت المدينة دائما سببا لجذب أبنائها، بمعنى أن المدينة نفسها تجبر أبناءها على البقاء فيها، حتى لو رحلوا إلى الخارج مضطرين، بحثا عن لقمة عيش، مثلما حدث في “عودة مواطن” لمحمد خان عام 1986، أي أن المدينة هنا تحولت إلى شبه حارة ضيقة، وزقاق بيوته بمثابة جدران سجن.

وفي بعض أفلام المخرج صلاح أبوسيف، فإن القادمين إلى المدينة، فعلوا ذلك بهدف البحث عن وسيلة للرزق في المستقبل، فالتعليم الذي جاء من أجله إمام في “شباب امرأة” هو وسيلة للرزق في المستقبل، وأيضا لقد جاء المئات من البشر للعمل في سوق الخضار في “الفتوة”، وكم امتلأت المدينة بأمثال هريدي في أفلام كثيرة.

وتلعب محطة القطار الرئيسية دورا في التعرف على المدينة، وقد تعمدت أفلام عديدة تصوير كيف كان اللقاء الأول المبهر الذي حدث للقرويين والصعايدة القادمين من قرى صغيرة إلى عالم واسع، هو عالم المدينة.

14