لا حياة لمن لا تراث له

الاثنين 2014/11/10

قرأت قبل أيام قلائل، مقالا جيّدا حزينا، قطرت كلّ كلمة منه أسى، وكلّ حرف دمعة ساخنة، دبجته براعة قيدوم الصحفيين الليبيّين الأستاذ مهدي يوسف كاجيجي، بأسلوبه الشيق الذي يميّزه بين الكتاب، عنونه “ميراثنا المسروق”.

وصف الكاتب بريشته عاصمة ليبيا طرابلس الغرب الذبيحة، فأعطى صورة عنها أيام كانت تسمى درّة البحر المتوسط، ثم عدّد وقلمه يبكي، ما هُدم وحُرق ومُزّق من آثار وشواهد تاريخية، تحكي مسيرات وأمجادا، وتجسّم ثقافات وذكريات، لا في طرابلس فقط، بل في كامل ليبيا، أتت عليها عصابات “دورها واحد هو تدمير ذاكرة شعب وسرقة تاريخه.

وللتذكير على سبيل المثال لا الحصر، مسجد سيدي الشعاب الشهير بطرابلس المدفون سنة 243 هـ، الذي تم تدميره عن بكرة أبيه بواسطة الجرافات وأمام جموع الشعب، وحرق المكتبة التاريخية لمسجد سيدي عبدالسلام الأسمر الشهير، وهدم المسجد والضريح المقام منذ القرن العاشر من الهجرة، مسجد سيدي الأندلسي الشهير بمحلة تاجوراء، وعمره أكثر من نصف قرن.

أمّا في الجبل الأخضر، فقد امتد الخراب إلى مساجد السيد عبدالواحد، والسيد عبدالمطلب المحجوب، وتمّ إحراق الزاوية الصوفية الدسوقية في بنغازي، ومساجد أحمد باشا، وشائب العين، ودرغوت باشا في طرابلس وغيرها” عبثت بها أيدي الضالين المغرورين فصارت هباء منثورا.

تركت المقال وتهت في أفكاري تحت وقع عباراته وما حملته من أسف على مدى التدهور والانحطاط اللذين يغشيان شعوبنا وأوطاننا، فطافت بي الذاكرة رغم شيخوختها فربطت الأشياء ببعضها لتعود بي قرابة العقدين إلى الوراء. تعرّفت إذاك، بل تشرّفت بالتعرّف على سيّدة تونسية فاضلة، تعمل مسؤولة عن أحد أقسام منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة “يونسكو” بباريس، فتمكنت من موقعها وبدافع وطنيتها وحماسها، من إبراز كنوز بلداننا وشعوبها، فلعبت دورا كبيرا في إرساء أسس توأمة جوهرة الصحراء مدينة غدامس وواحتها، مع مدينة “إلتشي” على الساحل الشرقي من أسبانيا، وواحتها التي بها أكثر من مائتي نوع من النخيل أشهرها “الفانيكس دكتيليفيرا” الذي جلبه العرب المسلمون. ألتشي هذه التي حضنت النخيل واعتنت به، كما تعتني الأم الحنون برضيعها، حتى صارت قدوة في مجال النخيل والواحات، وتطوير طرق التعامل معها وصيانتها وتنميتها.

كانت تلك المناسبات التي جمعتني بالسيدة الفاضلة، فرصة اطلاع وتعلّم، وتثقيف علمت أثناءها الكثير المفيد حاضرا ومستقبلا. علمت أنه تمّ اكتشاف مدينة شبه كاملة تحت مدينة الجزائر، تركز الاهتمام على بعثها، فوضعت المخططات والبرامج الهندسية التقنية لإبراز المدينة السفلى وإظهارها، دون المساس أو الإضرار بالمدينة العليا، الجزائر الحالية وقصبتها الشهيرة. رغم اندهاشي لغرابة ما سمعت، وعدم فهمي أساليبه وتقنياته، سررت أيما سرور عندما أخبرتني محدّثتي أنّ فريق المنظمة العالمية الذي كان يشرف على الاكتشاف، وجد في وزيرة الثقافة الجزائرية سندا كبيرا وحسن استعداد نادر سهّل السير قدما في ما خُطّط ورُسم.

محدّثتي الكريمة أخبرتني آنذاك، بأنّ مدينة طرابلس القديمة، المدينة العربية التاريخية، تجلس هي الأخرى متربعة فوق أخت لها سبقتها ميلادا ونشأة، وأضافت بأنه، إن أراد الليبيّون، يمكن الحديث حول إمكانيّة تخطيط برنامج عناية وبعث لتلك المدينة، أسوة بما سبق فعله بالجزائر.

مضت الأيام والأشهر والسنون، وحدث ما حدث في أقطارنا تحت مظلة الأمل، أمل البعث وعودة الحياة لشعوبنا وثقافاتنا وتراثنا. بمثل هذه المشاعر زرت ليبيا، ودخلت مدينتها العربية التي كان آخر عهدي بها في أواخر الستينات، فوجدتها حطاما متربا، وأطلالا بائسة، بكيت لرؤياها وندمت لتلك الزيارة التي جعلتني أفكر أن المنظمة الدولية أو غيرها، عليها أولا أن ترمم المدينة العليا الظاهرة الملموسة، فتبقى الأخرى في رمسها هادئة مطمئنة. لكني أخطأت حتى في هذا التفكير. فالمدينة رغم خرابها لم تسلم، وها هي معالمها تتعرّض لفساد المفسدين. بما أنّ فكرة تجرّ أخرى، عدت إلى بعض ما احتفظت به مما يقال ويكتب للاستعانة وتقديم الدّليل عند الكتابة، فعثرت على مقتطفات، منها فقرة من مقال لكاتب تونسي هذه المرّة، لم أجد اسمه رغم طول البحث، فوجدته يتألم ويلوم بالفرنسيّة، كما فعل الزّميل كاجيجي، ويقول ما تعريبه: “إنه من المهمّ، والحالة هذه، أن يسأل التونسيون أنفسهم عن مصدر هذا الدافع وأصله الذي يجعلهم يحطّمون كلّ شيء، ويمحون كلّ ما له صلة بالتاريخ. لماذا يحافظ الأتراك والمصريون والمغاربة مثلا، ويغارون على معالمهم وقصورهم وأشياء أخرى تحكي تاريخهم وثقافتهم؟ بينما تجري الأمور في تونس، كما لو أنّ كلّ قادم جديد، شغله الشاغل هو فرض نسيان السابقين”.

إن حملة الإتيان على المعالم والآثار، التي جرت في تونس وفي ليبيا وفي غيرهما من أقطارنا المصابة بداء لا دواء له، والتي أنجزتها عصابات وفرق تسترت برداء الدين والدين أسمى من الهدم والحرق والإتلاف، لأنه فساد والله لا يحب الفساد، هذه الحملة إن دلت على شيء، فهو القضاء على كلّ ما يثبت الهويّة والانتساب. ثمّ إنه علامة من علامات الجهل والتأخر والتقوقع، في عصر السير نحو ما هو أفضل وأنبل. إن الشعوب والدول المتقدمة المتحضرة، ترصد الميزانيات الضخمة، والمحلات الفخمة وكبار العلماء والمختصين، للعناية بكلّ ما توارثته الأجيال من بقايا ماض وتاريخ، مهما كانت درجة سموّه أو دنوّه، لأن تلك البقايا المكتوبة أو المنقوشة أو المشيدة أو المروية، ليست سوى سجل متنوّع الصفحات، يحفظ ما يفتخر أو يتعظ به، وهو بمثابة الجذور التي تنبئ عن عمق أو سطحية أصحابها، فتحكيه عن السلف للخلف. لماذا نعمل إذن على نسف هذا السفر الثمين وتمزيقه، ونقضي على مجلداته بكل ما احتوته من أنباء وآثار الماضين؟ أبصنيعنا هذا ينطبق علينا قول الله عزّ وجل: وإذا تولّى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد؟

إننا بما نأتيه أو نغمض العين عنه، نثبت أننا غير جديرين بما تركه السلف، ولا نستحق الانتساب إلى التطور والتقدم اللذين تعرفهما شعوب العالم الصاحية الواثقة من نفسها. تلك نراها تبذل الجهد والمال للحفاظ، كما قلنا، على تراثها، لكنها لا تكتفي باحتضان المعالم المبنية والمكتوبة، بل نراها جاهدة حتى لإحياء ما اندثر أو هو في طريق الاندثار وبعثه، من الاحتفالات والمراسم الشعبية، بما فيها الأكلات وما شابهها. أما نحن فيكفي النظر إلى بغداد وضياع تراث العراقيين والإنسانية قاطبة، وإلى ما يهدم في سوريا، وما أتلف في تونس ومصر، وما بكاه الليبيون في وطنهم، لينطبق علينا ما قاله الزميل كاجيجي: “نحن شعوب فقدت الذاكرة”، وأضيف سنفقد الهويّة.

12