لا خطاب سياسيا على المسرح السياسي التونسي

حرية التعبير على الطريقة التونسية لم تفض إلى بروز خطاب سياسي صريح وواضح ومفيد يساعد على النهوض الذي تتطلع إليه البلاد.
الاثنين 2018/03/12
خطاب النخبة يفتقد إلى المسؤولية

تونس - الذين صعدوا إلى السلطة بجميع فصائلهم السياسية في تونس عام 2011، كانوا ولا يزالون يسخرون من لغة الخطاب السياسي في زمن نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي. وهم يصفونه بـ“الخشبي”و“السطحي” و“الفقير” و“المضَلّل”، زاعمين أنه يجمّلُ الواقع لإخفاء عيوبه ومساوئه، مراكما الأكاذيب والأوهام ولا هدف له من كل ذلك سوى تلميع صورته.

ورغم أنهم يختلفون سياسيا وأيديولوجيا، فإننا لا نكاد نجد فروقا بيّنة وواضحة في توصيف الخطاب المذكور بين الإسلاميين الذين تمثلهم حركة النهضة، وبين الفصائل الأخرى المعارضة لها مثل الجبهة الشعبية ذات الاتجاه الشيوعي والقوميين البعثيين أو الناصريين وغيرهم ممن ينتسبون إلى حركات وأحزاب لها ملامح ليبرالية أو اشتراكية.

لكن هل أفلح هؤلاء في ابتكار خطاب مضاد فعليا للخطاب الذي كان سائدا في زمن بن علي، ليكون خطابا صريحا، عاكسا للواقع في تجلياته وفي مواصفاته الحقيقية، خاليا من الأكاذيب ومن الوعود المزيفة؟

ذلك هو السؤال الذي يطرحه الكثير من التونسيين بعد مرور أزيد من سبعة أعوام على انهيار نظام بن علي.

لنبدأ بـ“حرية التعبير” التي تعتبرها الأحزاب والمنظمات الجديدة من أعظم المكاسب التي حققتها لها “ثورة الكرامة والحرية” التي أطاحت بنظام بن علي، صحيح أن الرقابة رُفعت عن الألسن وعن الأقلام، وبات من حق الجميع الخوض في أي شأن من الشؤون وفي أي قضية من القضايا من دون ردع أو خوف، إلاّ أن الفوضى التي سادت وتسود المشهد السياسي في تونس حجبت فوائد “حرية التعبير” لتتحول هذه الحرية إلى مونولوجات مطولة ومضجرة، وإلى هذيانات موجعة للرأس على أمواج الأثير أو على شاشات الفضائيات وعلى صفحات الجرائد.

بعض النواب الذين يكثرون من استعمال كلمة "الديمقراطية"، يدفعهم الغضب في لحظة ما إلى التنكر لـ"الدستور الديمقراطي" الذي صادقوا عليه

ويغيب الحوار الجاد والصريح تحت قبة البرلمان الذي يتطرق إلى القضايا الحارقة ليسود الانفعال والتشنج، فيتبادل النواب الشتائم والتهم في خرق واضح للقانون الداخلي للمجلس.

بل إن بعض النواب الذين يكثرون من استعمال كلمة “الديمقراطية”، يدفعهم الغضب في لحظة ما إلى التنكر لـ“الدستور الديمقراطي” الذي صادقوا عليه، والذي نعته راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة بأنه “أفضل دستور في العالم”، ليهددوا معارضيهم بـ“نصب المشانق لهم في قلب العاصمة”، بل لعلهم ينذرونهم بـ“حرب أهلية تحرق الأخضر واليابس”.

معنى كل هذا أن الحرية المكتسبة بعد انهيار نظام بن علي ليست تلك الحرية التي تتيح للمجتمع التحرر من القيود القديمة، وتطلق قواه الخامدة والمهملة والمحبوسة لكي يحقق الانطلاقة للبناء المنشود، وإنما هي “حرية سلبية”، بحسب تعبير هايدغر، إذ أنها تغرق المجتمع في النزاعات والمناقشات البيزنطية، وتبعثر قواه وتفتت إرادته لتجعله مكبلا بقيود جديدة تعيقه عن تحقيق طموحاته وآماله، وتربكه أمام تحديات الحاضر والمستقبل.

وعكس ما كان منتظرا منها، لم تفض حرية التعبير على الطريقة التونسية إلى بروز خطاب سياسي صريح وواضح ومفيد يساعد على النهوض الذي تتطلع إليه البلاد.

وإذا ما نحن استندنا إلى الكاتب الإيطالي الكبير إيتالو كالفينو، فإنه يجوز لنا القول إن الخطاب العام أو التقريبي حتى وإن صيغا بلغة تجنح إلى التبسيط والوضوح، فإنهما ينتهيان بأن يكونا خطابين كاذبين وملفقين.

وتعكس لغة الخطاب السياسي في تونس عجزا في الابتكار وفقرا مدقعا في الخيال، وسطحية في تحليل معطيات الواقع، وجهلا بتاريخ تونس القديم والحديث على حد السواء.

من هنا ندرك خلوّ الكثير من الخطب من المرجعيّات التونسية في هذا المجال أو ذاك، كما ندرك تعمد أصحاب هذه الخطب في الكثير من الأحيان إلى تزوير التاريخ لصالحهم، ونفي العناصر الإيجابية لدى معارضيهم، كما لدى الأنظمة التي سبقتهم وتحديدا نظامي بورقيبة وبن علي.

ولأنهم يعلمون جيدا أنهم عاجزون عن تقديم حلول ناجعة للأزمات التي تتخبط فيها البلاد، فإنهم يلجؤون إلى لغة الترهيب، محرضين على العنف والتخريب، ومحملين مسؤولية تردي الأوضاع إلى الآخرين. ومعنى هذا أن النقد الذاتي الذي هو أحد فضائل حرية التعبير منعدم في الخطاب السياسي الجديد.

أما الأمر الآخر الذي يتوجب الوقوف عنده هو أن حرية التعبير أبرزت صحافيين ومنشطين لبرامج ترفيهية وسياسية يبيحون لأنفسهم العبث باللغة، وتشويهها، وإفسادها. والواحد منهم ينطق بجملة هي خليط من العربية الفصحى واللهجة العامية واللغة الفرنسية.

 والغريب في الأمر أن المؤسسات التعليمية تبدو غير معنية بالتخريب اللغوي الذي يحدث في تونس راهنا، والذي ستكون له تداعيات خطيرة للغاية على الأجيال الحاضرة والقادمة.

6