لا خلاص من الإرهاب إلا بالخلاص من الاستبداد

الاثنين 2015/11/16

شكل الهجوم الإرهابي الذي ضرب باريس مؤخراً صدمة كبيرة للفرنسيين والأوروبيين وللعالم كله، بما لا يقل عن صدمة 11 سبتمبر 2001، في نيويورك وواشنطن.

معلوم أن هذا هو الحادث الثاني من نوعه في عاصمة الأنوار، بعد الهجوم على جريدة “شارلي إيبدو”، (يناير 2015)، لكنه أكبر وأخطر وأكثر دموية من سابقه، ليس بسبب هذا العدد الكبير من الضحايا (129 من المواطنين الفرنسيين)، وإنما أيضا بسبب الطريقة التي تم بها. ففي هذه المرة نحن لسنا إزاء تفجير انتحاري، كالذي حدث في الضاحية الجنوبية في لبنان (قبلها بيوم واحد)، ولا إزاء قنبلة مزروعة في طائرة، كما حدث مع الطائرة الروسية التي انفجرت فوق سيناء (مؤخرا)، وإنما إزاء مجموعة مقاتلة، نفذت هجمتها الإجرامية عن سابق تخطيط، وبتصميم بالغ، وهذا تطور كبير وخطير في نمط العمليات الإرهابية.

طبعاً من المبكّر الحديث عن استهدافات هذه العملية، لأن هذا الأمر منوط بمعرفة هوية الجماعة الإرهابية المتطرفة التي نفّذتها، ومدى ارتباطها، أو عدم ارتباطها بمثيلاتها من الجماعات الإرهابية الأخرى، مثل داعش أو القاعدة، وبما إذا كانت جزءا من خطة أو من موجة العمليات التي وقعت. لكن هذه العملية، في كل الأحوال، ستكون لها آثارها على الصعيد الفرنسي، والأوروبي، كما ستكون لها انعكاساتها على ما يحدث في المنطقة العربية، لا سيما في سوريا والعراق.

في التفاصيل، جاءت هذه العملية قبل يوم من اجتماع “فيينا”، المخصص للبحث في المسألة السورية، مع ما عرف عن الموقف الفرنسي من تميّز بشأن الحسم بعدم وجود أي دور لبشار الأسد في مستقبل سوريا، سواء مع بدء المرحلة الانتقالية أو في نهايتها، كما جاء قبل اجتماع قادة دول مجموعة العشرين، في أنطاليا في تركيا، والذي سيشكل فرصة للرئيس رجب طيب أردوغان لطرح المسألة السورية في هذا المنتدى، بدعم من الرئيس الفرنسي، المؤيد لفكرة المناطق الآمنة. أيضاً، يمكن احتساب موقف فرنسا المتعاطف مع قضية اللاجئين السوريين، التي باتت أحد مواضيع النقاش داخل دول الاتحاد الأوروبي، بحيث كان للموقف الفرنسي دور كبير في التخفيف من هذه المأساة.

السؤال الآن، ما هي انعكاسات هذا الهجوم الإجرامي على السياسة الخارجية لفرنسا؟ ومثلا، هل هذا سيدفعها نحو تصليب موقفها، والمضي في طرح رأيها المتعلق بالربط بين الإرهاب والاستبداد، واعتبار أن نظام الأسد هو المحرض على ولادة تنظيم داعش، وأن حل المسألة السورية ينبغي أن يتأسس على التخلص من الطرفين؟ أم أن هذا الهجوم سيؤدي إلى مراجعة مواقفها؟

أيضا، بخصوص موضوع اللاجئين، لا شك أن هذا الهجوم سيشكل فرصة كبيرة لقوى اليمين الفرنسي القومي المتطرف، لتقوية موقفه المعادي لاستقبالهم، سعيا منه لاستغلال هذا الظرف الأليم لتوسيع قاعدته، ما يطرح التساؤل عن الطريقة التي سيواجه بها الرئيس الفرنسى فرانسوا هولاند هذا التحدي. مع العلم أن اللاجئين لم يصبحوا كذلك إلا بسبب الإرهاب ذاته، أي هربا من البراميل المتفجرة والصواريخ الفراغية والميليشيات الطائفية والجماعات الإرهابية، أي المتأتي من نظام الأسد وحلفائه، ومن داعش وأخواتها.

الفكرة إذن أن الإرهاب يتغذى أصلا من أنظمة الاستبداد والفساد، وأنه لا يقتصر على الجماعات الإرهابية، التي تستخدم المتفجرات والانتحاريين، وإنما يشمل الأنظمة التي تقتل شعبها بالطائرات والدبابات والصواريخ، وتدمر عمرانه، وتحمله على التشرد في أصقاع الدنيا، وهذا ما يحصل مع السوريين.

ويخشى مع ما حصل في فرنسا، أن يشكل ذلك فرصة سماح جديدة للنظام لتعويم ذاته، لأن ذلك يعني منحه إجازة جديدة للإمعان في البطش بالسوريين وتشريدهم، ولأن ذلك يعني تدفيعهم ثمنا لا يستحقونه بعد كل العذابات التي عانوها طوال الأعوام الخمسة الماضية.

هكذا لا خلاص من الإرهاب إلا بالخلاص من الاستبداد، فالاثنان يتغذيان من بعضهما.

كاتب سياسي فلسطيني

9