لا خوف إلا من الخوف نفسه

الاثنين 2013/09/16

درس بليغ من دروس التاريخ المعاصر ينبغي أن لا ننساه: لقد أفلح أدولف هتلر في إحكام قبضته وسيطرته على روح الشعب الألماني بعد أن نجح في إشاعة أجواء الخوف داخل أركان المجتمع: الخوف من اليهود، ومن الشيوعيين، ومن الماسونيين، ومن الأقليات، ومن المثليين، ومن الحلفاء، إلخ. تلك هي منهجية كل الأنظمة الفاشية في كل زمان ومكان، حين تنتظر أن يلوذ الناس إلى أحضانها هربا من خطر مفترض أو متوهم.

وهذا بالتمام ما عمل لأجله آباء الإسلام السياسي جاهدين ومجاهدين لغاية إثارة أجواء الرعب في كيان المجتمعات الإسلامية. ومرة أخرى كان الخوف هو نفس الخوف بأعراضه وعلاماته، أو تقريبا: الخوف من اليهود، ومن الشيوعيين، ومن الماسونيين، ومن الأقليات، ومن المثليين (كما فعل عصام العريان أثناء حملته الانتخابية)، ومن الغرب، إلخ.

لكن، وللتفاصيل بقية، إذ بعد وصول الإسلام السياسي إلى السلطة في سياق ربيع عربي متسم بانهيار تام لجدران الخوف، راجت مسميات هلامية قد تعني أي شيء، وقد لا تعني أي شيء. من أمثلة ذلك أن الرّئيس المصري المعزول محمد مرسي كان يحذر من «الفلول»، ويحذر الشيخ راشد الغنوشي في تونس من «أعداء الثورة»، كما يحذر عبد الإله بن كيران في المغرب ممن أسماهم بـ «العفاريت والأشباح» (هكذا)، إلخ.

يتعلق الأمر بجهود هزلية وهزيلة لأجل نحت قاموس جديد يصلح لتخويف الشعوب: الفلول، أعداء الثورة، الدولة العميقة، العفاريت والأشباح، وغير ذلك من البعابع.

المهم أن تستمر إستراتيجية التخويف حتى لا تفارق الشعوب «الحضن الآمن». فمن دون خوف لا يمكن لأي شعب أن يسلم نفسه وينقاد منساقا للطغاة، وحراس الدين، وحماة الديار.

وللإنصاف، فهذا ما يفعله أيضا أنصار اليمين المتطرف اليوم في أوروبا، عندما يروّجون لخطاب تخويفي من المهاجرين والعرب والمسلمين. ومثل ذلك يفعل أنصار اليمين اليهودي في إسرائيل عندما ينشرون خطابا يثير الخوف على مستقبل إسرائيل.

واضح أن الخوف هو السلاح الإيديولوجي الأشد فتكا ضد العقل والعقلانية، ضد الحرية والديمقراطية، ضد الإنسان والإنسانية. فإن الإنسان الخائف ليعجز عن استعمال عقله، وإن الإنسان الخائف لسرعان ما يتنازل عن حريته عند أول مساومة تعرض عليه: إما حريتك أو نجاتك. بالجملة، في عالم يسوده الخوف لا مستقبل للحداثيين والعقلانيين واليساريين والليبراليين والعلمانيين، لا مستقبل للقوى المدنية بكل أطيافها، لا مستقبل لغير المتقوقعين في قمقم الطوائف الضيق والأخويات المتعصبة والجماعات المنغلقة، تماماً مثل سلاحف البرك الآسنة. الخوف يقتل الإنسان.

لذلك، كم كان بليغا ذلك الشعار الذي أطلقته الثورة التونسية، وتردد لماما، وكتب على الكثير من جدران العاصمة التونسية: «لا خوف بعد اليوم». ذلك الشعار كان بمفعول القوّة التحريرية التي لم تمنح للفاشية الدينية فرصة إحكام القبضة على المجتمع. مؤكد، لا خوف إلاّ من الخوف نفسه.

_____________


* كاتب مغربي

9