لا دولة دينية في الإسلام

الاثنين 2013/11/25

لا يكفي أن نقول إنّ الإسلام دين وليس دولة، لكي ينتهي النقاش حول علاقة الدين بالدولة في الإسلام، فهذا القول استنزف بحثا منذ علي عبد الرازق، بل، ومنذ الخوارج الذين أكدوا بأنّ الإمامة ليست أصلا من أصول الدين ولكنها من المصالح المفوضة لنظر الأمة. وهم الذين قال في حقهم علي بن أبي طالب: «لا تقتلوا الخوارج بعدي فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه» (نهج البلاغة). بمعنى أن تطرفهم كان في مستوى الوسيلة ولم يكن في مستوى الغاية. ومع أنه لا أحدا استطاع أن يبرهن بالحجج على نقض أطروحة الخوارج، حتى ابن تيمية نفسه، إلا أن ذلك لم ينه النقاش حول علاقة الدين بالدولة في الإسلام.

حسبنا أن نقترح إضاءة مستوحاة من أطروحة ابن خلدون. فالمؤكد أن مشروعية الدولة لم تكن تجد داخل الإسلام أي سند شرعي، ولو وجد السند الشرعي لما تقاتل الصحابة من أجل السلطة، ما أحدث صدمة في الضمير الإسلامي، وإنما كانت مشروعية الدّولة تستند إلى المشروعية العصبية، كما يؤكد ابن خلدون.

وللتوضيح، فعقب الفتنة الكبرى انتهت السلطة إلى معاوية بن أبي سفيان (الأموي) وليس إلى علي بن أبي طالب (الهاشمي)، وهو ما بدا كما لو كان منافياً للمكانة «الدينية» الاعتبارية لعلي بن أبي طالب، ومعاكسا لموازين القوى العددية. وإذا كان التفسير الشائع يكتفي بالإحالة إلى دهاء معاوية وخديعة التحكيم، فإن هذا النوع من التفسير لا يفيد شيئا في فهم حركة التاريخ. ذلك أن المشروعية القائمة على كثرة الأتباع أو وَرَعهم لا تمثل أي سند للدولة، ولا تمثل أي قاعدة للملك. كتب ابن خلدون: «لما هلك عثمان واختلف الناس على علي، كانت عساكر علي أكثر عددا لمكان الخلافة والفضل، إلا أنّها من سائر القبائل من ربيعة ويمن وغيرهم. وجموع معاوية إنما هي جند الشام من قريش شوكة مضر وبأسهم، نزلوا بثغور الشام منذ الفتح، فكانت عصبيته أشدّ وأمضى شوكة». المؤكد أنه ليس في الإسلام ما يدعم مشروعية أيّ نظام سياسي كيفما كان نوعه. لذلك لم تجد مشروعية الدولة عبر تاريخ الإسلام ما تستند إليه عدا العصبية.

بمعنى، أساس الدولة في تاريخ الإسلام قائم على العصبية لا غير. ولا وجود لأي أساس آخر للدولة لا في السنة ولا في القرآن. من ثمة يصبح معنى العلمانية أكثر وضوحا: لن تعني العلمانية إخراج الدولة من مجال الدين كما شاع خطأ أو قصداً؛ ذلك أن الدولة لم تنشأ داخل الدين حتى نخرجها منه، وإنما نشأت خارج دائرة النبوة والوحي والقرآن، لا سند لها غير العصبيات العشائرية والطائفية والسلالية، منذ حروب بني هاشم وبني أمية قبل وأثناء وبعد ظهور الإسلام، مرورا بالخلفاء والسلاطين والأمراء، حتى اليوم.

أن نستبدل اليوم تلك العصبية القديمة بصناديق الاقتراع، هذا ما يلقي على كاهل المثقف الحداثي وظيفة جديدة، قليلا ما تعوّد عليها: التنوير الشعبي. وهذا دورنا جميعاً.


كاتب مغربي

8