لا رؤية إصلاحية واضحة لمنظومة التعليم العالي في تونس

وزارة التعليم العالي بتونس تعمل على إصلاح التوجيه الجامعي وإدخال تغييرات على منظومة "إمد" والتي سيتم إعادة بنائها على أسس صحيحة تراعي نماذج التطبيق لنفس المنظومة.
الثلاثاء 2018/05/22
تفكير في الحلول 

تونس- أكدت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي مؤخرا أنه لا توجد نية لتغيير منظومة “إمد” التي شُرع في تطبيقها بدءا من العالم 2006 وأن التركيز سينصب فقط على إدخال تعديلات عليها، فيما ينادي العديد من خبراء التعليم بأن الوضع الذي يعيشه قطاع التعليم العالي يفرض تغييرا جذريا.

وقال وزير التعليم العالم والبحث العلمي سليم خلبوس إن تركيز الوزارة منصبّ على إصلاح التوجيه الجامعي وإدخال تغييرات على منظومة “إمد” مع مواصلة العمل بها. ولفت خلبوس إلى وجود العديد من الصعوبات والإشكاليات بخصوص هذه المنظومة، لكنه أقرّ في الوقت ذاته بضرورة نسفها وإعادة بنائها على أسس صحيحة تراعي نماذج التطبيق لنفس المنظومة المعتمدة في العديد من الدول.

 

أعطت وزارة التعليم العالي في تونس أولوية لبرنامج إصلاحي كانت أعلنت عنه في موفى العام الماضي، وترى أنه يهدف إلى البحث عن حلول جذرية للواقع المتردي الذي يعيشه قطاع التعليم العالي. لكن بالموازاة مع الأهداف الإصلاحية التي ترى الوزارة أنها طموحة، فإن ما تم الكشف عنه مؤخرا بأن الإصلاح سيشمل تعديلا جزئيا لمنظومة “إمد” وليس تغييرها بالكامل، يطرح أكثر من استفسار حول مدى جدية الوزارة في الذهاب بعيدا في نهج الإصلاح

وحاولت “العرب” أخذ رأي وزير التعليم العالي حول الخطط التي تمت برمجتها ضمن البرنامج الإصلاحي الذي يخص منظومة إمد لكن لم يتسن لها ذلك، لكنّ مصدرا مطلعا في الوزارة أكد لـ”العرب” أن الاتجاه يسير نحو التركيز على إدخال تغييرات جوهرية على هذه المنظومة بما يجعلها منفتحة أكثر كغيرها من الأنظمة المطبقة في أغلب البلدان التي تعتمد عليها.

وشرعت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والتكنولوجيا (بمسمّاها القديم) في سبتمبر من العام 2006 في اعتماد منظومة “إمد” تكريسا لما سمّاه النظام خلال تلك الفترة باستراتيجية التنمية الوطنية على صعيد تطوير منظومة التعليم العالي ونظام الشهائد الجامعية في تونس.

وكان الهدف من اعتماد هذه المنظومة تحقيق الانسجام مع المعايير والمنظومات الدولية المتقدمة في مجال التعليم العالي، وذلك لخدمة الأولويات التشغيلية وبعث المؤسسات واعتماد الجودة وبناء مجتمع المعرفة.

وخلافا للتوقعات المنتظرة بعد قرابة 12 سنة من تطبيق هذه المنظومة تقريبا، فإن النتائج كانت مخيبة لأمل الكثيرين من المنتقدين لهذه المنظومة التي يرى البعض أنها أثبتت فشلها في العديد من المستويات، لعل أبرزها الشهائد العلمية والتخصصات وآليات ومناهج البحث العلمي عموما.

وكان وزير التعليم العالي فسّر ذلك خلال برنامج تلفزيوني بقوله إن “خطة الإصلاح لا تهدف إلى إلغاء منظومة ‘إمد’ بل إلى تعديلها لتكون منفتحة أكثر، وبما يتوافق مع طرق اشتغال هذه المنظومة بعدة بلدان أخرى نجحت في التعويل عليها”.

ويذكر أن الإصلاح الشامل لمنظومة “إمد” وتغيير كراس شروط الجامعات الخاصة وإحداث الأقطاب والأقاليم الجامعية وتمكين الطلبة من بطاقة متعددة الخدمات، مثلت أبرز مخرجات الحوار الوطني لتفعيل إصلاح منظومة التعليم العالي والبحث العلمي التي أعلن عنها وزير التعليم العالي والبحث العلمي سليم خلبوس في نهاية عالم 2017.

ويثني العديد من الخبراء على ما جاءت به أهداف هذه الرؤية الإصلاحية التي أقرها الحوار الوطني لإصلاح منظومة التعليم وتأخذ طريقها نحو التطبيق، لكن أكاديميين يؤكدون أنه لا بد من التركيز على روح التجديد في العديد من البرامج والأهداف التي تهم منظومة التعليم العالي بما يستدعي من الوزارة التفكير في صياغة برمجة تسلك نهج التجديد في أهدافها على المدى المتوسط والبعيد.

حمودة السمعلي: إدخال تعديلات على منظومة إمد يأتي  في غياب بديل
حمودة السمعلي: إدخال تعديلات على منظومة إمد يأتي  في غياب بديل

وقال الأستاذ الجامعي بجامعة تونس للعلوم الاجتماعية حمودة السمعلي حول سؤال “العرب” عن الجدوى من إدخال تعديلات على منظومة “أمد” وليس نفسها كليا، “أعتقد أن ذلك هو الأهم خصوصا في هذه المرحلة التي تفتقد فيها الوزارة للبديل. من الحري إذن أن تحاول تعديل هذه المنظومة إلى حين الحصول على بديل”.

لكن طاهر الذهبي الأستاذ الباحث في المعهد العالي للعلوم الإنسانية بجندوبة يفنّد هذا الطرح وقال في تصريح لـ”العرب”، “لا توجد مؤشرات واضحة على جدية الوزارة في القيام بإصلاح فعلي، ولا شيء واضحا على سير الوزارة في هذا النهج”.

وردّ الذهبي على سؤال “العرب” حول مدى الجدية في ما صرح به الوزير في الفترة الأخيرة بأن كل ذلك يدخل في إطار هالة إعلامية ونوع من الشعبوية، لأن غاية الوزير مكشوفة وهي الحفاظ على منصبه أكثر من السير بعمق في برنامج الإصلاح.

وأضاف السمعلي أنه لكي تكون هذه التغييرات جادة وتمسّ كل الجوانب لا بد أن تترافق مع أهداف إصلاحية تجديدية تهم خاصة التخصصات العلمية التي يجب مراجعتها بالكامل وهيكلة وتجديد اشتغال وحدات البحث العلمي، كما يجب التركيز أيضا على الاهتمام برسائل البحث العلمي وضرورة مواكبتها للواقع المتطور تقنيا وتكنولوجيا.

وترفع وزارة التعليم العالي شعار الحوكمة وتسيير الجامعات ضمن برنامجها الإصلاحي الذي أقرت بأنه سيتم من خلاله المرور إلى الصبغة العلمية والتكنولوجية داخل المؤسسات الجامعية لإعطاء الاستقلالية المالية في التصرف بالنسبة للمؤسسات العلمية، بالإضافة إلى إحداث مجالس الإدارة مع المجالس العلمية.

ومن الأهداف الاستراتيجية التي يتضمنها برنامج الإصلاح أيضا إحداث الأقطاب والأقاليم الجامعية من خلال الجمع بين الجامعات ومراكز البحث لتحقيق النجاح والإشعاع على مستوى دولي، مع العمل على تحقيق التمييز الإيجابي للجامعات في الجهات الداخلية من خلال تطوير أنشطة البحث العلمي والأنشطة الرياضية والثقافية لاستقطاب الأساتذة والطلبة بشكل أكبر.

ويثني العديد من الأكاديميين على مثل هذه الخطوات التي تروم البحث في الأطر العامة للبحث العلمي وتغيير مسالكه والعمل على الدمج بين عدة مؤسسات جامعية، لكنهم في المقابل يشددون على ضرورة تحويل هذه الأهداف إلى حقائق ملموسة داخل الجامعات، خصوصا في ظل التوترات الحادة بين ممثلي النقابات للأساتذة الباحثين والوزارة في الفترات الأخيرة حول العديد من الملفات وبينها إعادة النظر في آليات البحث.

الطاهر الذهبي: لا توجد مؤشرات واضحة على جدية الوزارة في القيام بإصلاح فعلي
الطاهر الذهبي: لا توجد مؤشرات واضحة على جدية الوزارة في القيام بإصلاح فعلي

وتدفع أزمة الإصلاح المتعثّر لقطاع التعليم العالي وظروف العمل غير المشجعة، إضافة إلى ضعف الأجور العديد من الباحثين والأساتذة الجامعيين إلى مغادرة تونس باتجاه دول الخليج وأوروبا بحثا عن تحسين أوضاعهم المادية.

ولمواجهة نزيف الهجرة التي قوي منسوبها في الفترة الأخيرة وشملت كافة التخصصات العلمية تقريبا، أقرّت الحكومة التونسية مؤخرا بأنها تدرس زيادة الحوافز المادية للكفاءات المتميزة بهدف الحد من تسربها نحو الخارج. وبحسب تقرير التنمية البشرية للعالم العربي عام 2016، فإن تونس تأتي في المركز الثاني عربيا من حيث تصدير الكفاءات العلمية إلى الخارج.

وتشير أرقام المنظمة الدولية للتعاون والتنمية الاقتصادية إلى أن أكثر من 90 ألفا من الكوادر والكفاءات العلمية غادرت تونس منذ عام 2011 بحثا عن فرص عمل.

وكان حسين بوجرة الكاتب العام للجامعة العامة للتعليم العالي والبحث العلمي قد أفاد بأن هناك نقصا في الأساتذة من الصنف الأول والمخوّلين لتأطير الدكتوراه والماجستير، حيث يتراوح عددهم بين 2300 و2400 أستاذ من بين حوالي 19 ألف أستاذ تعليم عال.

وكان خليل العميري كاتب الدولة لدى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، قد قال إن الوزارة ستخصص منحة دراسية تقدر بـ600 دينار شهريا (حوالي 250 دولارا) لطلبة مرحلة الدكتوراه بهدف تشجيع الكفاءات المتميزة على البقاء ومواصلة دراستهم في تونس.

وأعلنت وزارة التعليم العالي في تونس في ديسمير 2017 عن مؤتمر لإصلاح منظومة التعليم العالي، أكد خلاله وزير التعليم العالي والبحث العلمي سليم خلبوس أن الوزارة تطمح لتسليط الضوء على المشكلات الحقيقية لقطاع التعليم العالي مع التركيز على بحث الأهداف الاستراتيجية.

17