لا رحمة لصديق أصبح عدوا: رجال أردوغان يعذبون بوحشية أنصار غولن

الحكومة التركية تواجه اتهامات بالتورط في عمليات اختطاف وانتهاك صارخ لحقوق الإنسان ضد أنصار غولن بعد الكشف عن حجم برنامج الخطف الذي أدارته وكالة المخابرات الوطنية التركية.
الجمعة 2018/12/14
شهادات مروعة عن حالات تعذيب في تركيا

برلين- على غرار عمليات “التسليم غير القانوني” التي قامت بها وكالة المخابرات المركزية الأميركية، ينفذ النظام التركي عمليات اختطاف بحق العشرات من الأتراك الذين يتهمهم بالانتماء إلى حركة غولن في مختلف أنحاء العالم. والآن، يوجّه الضحايا إلى النظام اتهاما خطيرا يتمثل بـ“إدارة مواقع تعذيب سرية في إطار حملة قمعية”، من خلال كشف واتهامات توصل إليهما تحقيق اشتغلت عليه تسع منظمات إعلامية من ثماني دول تديرها منظمة كوريكتيف، وهي هيئة ألمانية غير ربحية متخصصة في الصحافة الاستقصائية.

يبدأ التحقيق، الذي نقل تفاصيله موقع أحوال تركية، بسرد وقائع حادثة وقعت على أطراف بريشتينا عاصمة كوسوفو، وتحديدا حين توقفت سيارتان من الحجم الكبير، إحداهما سيارة عائلية والأخرى سيارة للشرطة، إلى جوار مشتل لبيع أوعية النباتات وبذور الأزهار، حوالي الساعة الثامنة صباحا من يوم الخميس الموافق للتاسع والعشرين من مارس الماضي.

يقترب رجلان في زي الشرطة من سيارة أشارا إليها بالتوقف. بدا الأمر وكأنه عملية تفتيش روتينية للاشتباه بها. يتحدث أحد عنصري الشرطة إلى السائق عبر النافذة. وفي الوقت نفسه، يدور زميله ببطء حول مؤخرة السيارة. ودون سابق إنذار، يفتح ضابط الشرطة باب المقعد المجاور للسائق ويمسك بالشخص الجالس من عنقه ويجبره على الخروج من السيارة.

تقفز امرأة فجأة من المقعد الخلفي للسيارة وتبدأ بالصياح. في الأثناء، يجذب الضابط الآخر السائق إلى خارج السيارة ويقيده بالأصفاد ويقتاده إلى سيارة الدورية. يلحق به زميله سريعا ويبتعدان على عجل. تركض المرأة نحو الطريق وتحاول بكل ما أوتيت من قوة إيقاف سيارة. تصرخ مذعورة “نحن مدرّسون! هذه أفعال أردوغان”.

قبل ذلك بدقائق قليلة، حطت طائرة رحالها غير بعيد في مطار بريشتينا الدولي. كانت طائرة خاصة من نوع بومباردييه شالينجر مسجلة بالكود “تي.سي-كيه.أل.سي”. عند الساعة العاشرة صباحا تقريبا. أقلعت الطائرة مرة أخرى، في اتجاه قاعدة عسكرية قرب أنقرة، وعلى متنها سائق السيارة التي تم اعتراض طريقها، وخمسة رجال آخرون. كانوا جميعا، باستثناء واحد فقط، مدرسين في مدرسة محمد عاكف ببريشتينا.

لحسن الحظ، التقطت كاميرات المراقبة قرب المشتل المجاور للطريق ما جرى من البداية إلى النهاية. لم يكن ما جرى حالة فردية بأي شكل من الأشكال بالنظر لما حدث خلال العامين الماضيين. فالشيء نفسه تكرر مرارا، في الغابون والسودان وأذربيجان وأوكرانيا وماليزيا وسويسرا ومنغوليا وجمهورية مولدوفا.

ويكشف التقرير الذي أعدته المؤسسات الإعلامية الدولية التسع حجم برنامج الخطف الذي أدارته وكالة المخابرات الوطنية التركية (أم.آي.تي). وأصبحت قائمة الدول التي اختطف منها مواطنون أتراك ذوو صلة بحركة غولن المعارضة وأجبروا على العودة إلى تركيا دون القيام بإجراءات الترحيل، طويلة وتشكل شيئا أشبه بفضيحة دولية.

طائرة المخابرات

أردوغان يتهم حركة غولن بأنها كانت وراء محاولة الانقلاب الفاشلة
أردوغان يتهم حركة غولن بأنها كانت وراء محاولة الانقلاب الفاشلة 

المرأة التي قفزت من السيارة بجوار مشتل الأزهار هي ياسمين كارابينا، وهي معلمة في نفس المدرسة التي اختطف منها زوجها يوسف كارابينا. وفي وقت لاحق من ذلك اليوم، اتصلت بأقارب أشخاص اختطفوا في تركيا ونفوا حدوث أي اتصالات لكنهم قالوا إن السلطات أبلغتهم بأن الرجال الستة سلموا لمحاكم في تركيا وطلب منهم اختيار محام.

لكن ماذا عن الطائرة الخاصة التي استخدمت في عملية بريشتينا؟ يرجح تحقيق أجرته كوريكتيف وفرونتال 21 أن الطائرة المذكورة هي ضمن أسطول يرتبط بالمخابرات التركية. ولم تكن كوسوفو البقعة الوحيدة، التي تحدث فيها مثل هذه العملية.

في السابع والعشرين من يوليو 2018 في أولانباتار عاصمة منغوليا، فشلت محاولة لاختطاف فيسيل أجكاي وهو مدير مدرسة محلية تابعة لحركة غولن، بعد أن تدخلت السلطات. ومرة أخرى اندفع أقاربه إلى منصات التواصل الاجتماعي وحذروا السلطات المحلية. وفي الدقيقة الأخيرة، منعت الحكومة الطائرة من الإقلاع وعلى متنها الضحية الذي أطلق سراحه لكن تم اعتقال بعض الأشخاص. وتنفي تركيا أي تورط لها في الحادث.

هناك أيضا مولدوفا؛ ففي الثاني عشر من مايو عام 2017، أجبرت السلطات في هذا البلد أستاذ الفيزياء عصمت أوزجيليك الذي فر من تركيا بعد محاولة الانقلاب على العودة إلى تركيا على متن رحلة عادية للخطوط التركية، حيث رافقه أفراد من الأمن التركي وشخصان آخران من أتباع غولن تم القبض عليهما. ويعيش بقية أفراد عائلة أوزجيليك بمنزل صغير في منطقة قروية نائية بالسويد تحيط بها البحيرات. ويعمل ابنه سهيل ممرضا بعد أن كان أستاذا للفيزياء بمدرسة تابعة لغولن في ماليزيا.

بعد محاولة الانقلاب، حث سهيل أبويه على اللحاق به في كوالالمبور. وبعد أشهر من وصولهما، تحول إليهما اهتمام السلطات. وفي أحد أيام ديسمبر 2016، زار خمسة من مسؤولي الهجرة منزله. لم يكن معهما إذن لا بالتفتيش ولا بالاعتقال، وفقا لسهيل، بل بعض الوثائق من السفارة التركية.

كانت السلطات التركية قد أبطلت جواز سفر والده، ولهذا السبب كانوا بحاجة إلى الحديث معه. ويقول سهيل إن العائلة فقدت كل شيء، بما في ذلك منزلها في كونيا حيث كانوا يعيشون في تركيا. وفي سويسرا، تردد أن اثنين من العملاء الأتراك فشلا في محاولة لاختطاف رجل أعمال مؤيد لغولن من مقر إقامته في مدينة زيوريخ كان قد رحل عن تركيا بعد محاولة الانقلاب.

المواقع السوداء

هناك أيضا جانب آخر أكثر فظاعة من آلة القمع التي لا تزال تمارسها السلطات حتى الآن: مواقع تعذيب سرية داخل تركيا. ولطالما نفت الحكومة في الماضي اتهامات بممارسة التعذيب، كما رفضت التعليق على طلب منظمة كوريكتيف الحديث عن هذه القصة.

كان تعبير “التسليم غير القانوني” هو المصطلح الذي أطلقته الولايات المتحدة على إحدى عملياتها السرية في إطار “الحرب على الإرهاب”. وضمن هذه العملية، اختطفت المخابرات المركزية الأميركية (سي.آي.أي) مشتبها بهم في عمليات إرهابية من مختلف أنحاء العالم ونقلتهم جوا وبطريقة سرية إلى مواقع نائية، من بينها مواقع في بولندا وتايلاند، حيث تعرضوا للتعذيب.

وفي تلك الأماكن التي أطلق عليها “المواقع السوداء”، لم يكن هناك أي وجود لحقوق الإنسان المتعارف عليها عالميا ولا للقوانين المحلية. وبوسع التحقيق الآن أن يكشف أن تركيا تدير برنامجا شبيها، لكنه مختلف.وعلى عكس ما قامت به المخابرات المركزية الأميركية، فإن الدولة التركية لا تحتاج إلى نقل الضحايا جوا إلى مواقع في الخارج. وتحدث مواطنان من تركيا، من أتباع حركة غولن، إلى القائمين على إعداد التحقيق الاستقصائي وقصّا، كل على حدة، تفاصيل ما يقولان إنها عمليات إخفاء قسري وسردا روايات عن احتجازهما لأشهر طويلة في مواقع سوداء داخل تركيا. ويشير تحقيق منظمة كوريكتيف، إلى استحالة التحقق من صحة رواياتهما، لكن بعد إخضاع ما قالاه لفحص وتدقيق، يبدو ما سرداه منطقيا.

تولغا: تعذيب دون رحمة

حملة اعتقالات عشوائية ضد أنصار غولن
حملة اعتقالات عشوائية ضد أنصار غولن

اختار الشاهد الأول تولغا، كاسم مستعار. وقال في حديثه إن عملية اختطافه من الشارع لم تستغرق أكثر من خمس ثوان. وتولغا، موظف سابق في معهد كان يدار من قبل حركة غولن، التي يتهمها أردوغان بأنها كانت وراء محاولة الانقلاب الفاشلة على حكمه عام 2016.

على مدى ساعات وأيام تحدث فريق إعداد التقرير إلى تولغا من أجل تقييم مصداقية روايته. وسعيا لعدم تعريضه للخطر، انتقى الفريق فنادق يسهل التحقق منها من خلال مداخل تحت الأرض. وأخيرا، تم لقاء تولغا بشركاء إعلاميين من مؤسسة كوريكتيف بفندق صغير في موقع ما بأوروبا. جلس بعض الزملاء لإعداد التقرير على أسرّة، وبعضهم على الأرض وتناوبوا على سؤاله. جاءت إجاباته مفصلة ولم يكن هناك أي تناقض بين ما قاله وبين شهادته السابقة.

يقول تولغا “أشعر بالخوف من الأتراك الذين يعيشون هنا. ربما كانوا من مؤيدي نظام أردوغان”، وهذا أحد أسباب الإحجام عن الكشف عن أي تفاصيل تتعلق بحياته في تركيا أو موقعه الحالي.

حين اختطف تولغا من الشارع في النصف الأول من عام 2017، كان يحاول الاختفاء عن الأنظار منذ أشهر حيث كان يتنقل من منزل إلى آخر ومعه أسرته. يوم اختطافه، كان تولغا يصطحب ابنته إلى مدرستها حين ظهر رجل فجأة أمامه وصرخ في وجهه. وبينما كان تولغا يحاول فهم ما كان يقوله الرجل، أحس بمن يجذبه من الخلف. ونقله أربعة رجال مسلحين إلى سيارة نقل صغيرة.

داخل السيارة، تعرض تولغا لضرب وحشي، وبعدها أظلمت الدنيا أمامه حيث تم وضع كيس أسود على رأسه. لم يفارق الكيس رأسه لثلاثة أشهر. وحين خارت قواه ولم يعد يقوى على المقاومة، تم تقييد يديه وقدميه.

لم تستغرق الرحلة بالسيارة مدة طويلة. سمع تولغا صوتا مزعجا لفتح باب ثم نقل إلى قاعة وأجبر على خلع ملابسه وتغييرها بملابس قدمها خاطفوه وتم حبسه في زنزانة. وذات يوم، جاءه أمر من وراء باب سجنه بأن يجثو على ركبتيه وظهره إلى الباب وأن يحني رأسه. وبعدها بنصف ساعة، دخلت عليه مجموعة رجال واقتادته من الزنزانة إلى غرفة أخرى.

عندها بدأ الحفل؛ أخذ عدد كبير من الرجال يضربونه ويصعقونه بالكهرباء. كانوا يصرخون في وجهه، ويوجهون إليه الإهانات. وُضع في يده شيء ما. كان لعبة جنسية، جرده الرجال من ملابسه وأجبروه على أن يجثو على ركبتيه. وقالوا له بسخرية “تعرف ما عليك فعله بهذه.” وجلس أحدهم فوق ظهره.

لا بد وأن كاميرا ما كانت هناك في الزنزانة. فحين حاول نزع الكيس من فوق رأسه، صرخوا فيه عبر مكبر للصوت. وبعد عشرة أيام من هذا العذاب، سُمح لتولغا بالاستحمام، ولأول مرة منذ وصوله، ألقى نظرة على جسده. كانت تغطّيه الكدمات.

لم يكن يسمح لتولغا سوى بالقليل من الماء. وذات صباح، حصل على رغيف به بعض الجبن والطماطم. أما في المساء، فأُحضر إليه إناء به حساء وقطعة خبز. وبين الوجبتين، كان التحقيق والتعذيب مرتين أو ثلاث مرات في اليوم. حين يخلد للنوم، كانت الكوابيس تلاحقه. رأى أطفاله يبكون. لهذا كان يحاول قدر استطاعته ألا ينام. كان الضرب أهون عليه من تهديدات تمس أسرته. كانوا يهددونه بفعل نفس الأشياء بزوجته وأبويه. قالوا له “وسيشاهد أبناؤك ذلك”.

لا رحمة لصديق أصبح عدوا. ربما كان هذا السبب وراء القسوة التي يتعامل بها نظام أردوغان مع عناصر حركة غولن منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في صيف عام 2016. قال أردوغان في يوليو الماضي متحدثا لنواب حزبه العدالة والتنمية “سنواصل القتال ضد عناصر حركة غولن حتى نقضي عليهم نهائيا”.

خلال سنوات الحكم العسكري في تركيا، تعرض الإسلاميون للاستبعاد من الحكومة. وفي تلك الأثناء، ركزت حركة غولن على أسلمة المجتمع من القاعدة. وضعت جُل اهتمامها في بناء المدارس ومؤسسات خيرية وأصبحت قوة كبرى.

ويقدر حجم الأموال في العمليات التجارية للحركة بعشرات المليارات من اليورو. وهي نفس الحركة التي دخلت في تحالف استراتيجي مع أردوغان وحزبه خلال عقد التسعينات من القرن العشرين. وتحديا سويا النخبة السياسية العلمانية التي وفر لها الحكم العسكري غطاء على مدى عشرات السنوات. لكن، تغير كل شيء. وفي أبريل الماضي، قال نائب رئيس الوزراء إن 80 من عناصر حركة غولن قد أعيدوا إلى تركيا من الخارج. ويتم عادة بث لقطات لضحايا عمليات الخطف على وسائل الإعلام الحكومية. لم يحدد نائب رئيس الوزراء المصير الذي ينتظر هؤلاء. لكن وزير الاقتصاد التركي السابق نهاد زيبكجي تحدث بوضوح أكبر بعد محاولة الانقلاب وقال “سنعاقبهم بطريقة تجعلهم يتوسلون إلينا لنذبحهم من أجل وقف العذاب. سنجعلهم يتمنون الموت”.

علي: لم يسمح لي بالصلاة

80 من عناصر حركة غولن أعيدوا إلى تركيا من الخارج
80 من عناصر حركة غولن أعيدوا إلى تركيا من الخارج

توصلت مؤسسة كوريكتيف، وشركاؤها الإعلاميون، بعد ذلك إلى ضحية أخرى محتملة. تم إطلاق اسم  علي عليها، وهو أيضا كان يعمل لدى مؤسسة ذات صلة بحركة غولن داخل تركيا. ووفقا لروايته، فإنه اختطف من مدينة أخرى واحتجز في موقع للتعذيب بأنقرة على مدى أكثر من ثلاثة أشهر. وتتسق الطريقة التي قال إنه عذّب بها تماما مع ما قاله تولغا، بشكل منفصل.

قال علي إنه لم يسمح له بالصلاة، وكان يجبر على الوقوف على رأسه وهو متجرد من ملابسه حتى ينهار جسده ويسقط. قال “قالوا لي إني إرهابي واتهموني بكل صنوف الجرائم”. ومن خلال شهادة علي، يبدو أنه احتجز في موقع مختلف عن موقع احتجاز تولغا.

وجه الشبه بين الحالتين هو أن أسرتيهما سارعتا إلى اللجوء إلى منصات التواصل الاجتماعي بعد اختفاء كل منهما. ووثقت مؤسسات عالمية تدافع عن حقوق الإنسان من بينها هيومن رايتس ووتش ومقرها نيويورك عمليات تعذيب وإساءة منهجية في مراكز الشرطة والسجون التركية. ورصد مركز ستوكهولم للحريات الذي أسسه صحافيون أتراك نحو 20 حالة لعناصر من حركة غولن اختفوا دون أن يبقى لهم أثر في تركيا.

لا يتحول برنامج اختطاف عالمي إلى ممارسة قانونية لمجرد تواطؤ نُظم قضاء محلية في الموضوع. ويقول جلال سفيتسلا، وهو معارض بارز من أعضاء برلمان كوسوفو، “يمكنني القول إن الأدلة ترجح أن هذه الممارسات هي أبشع انتهاك لسيادتنا منذ إعلاننا الاستقلال. وهي تتم بأيدي السلطات لدينا”. وبوصفه رئيسا للجنة برلمانية تنظر في عمليات الاختطاف التي جرت في 29 مارس، فإنه يحاول الوصول إلى الحقيقة بأي ثمن.

وتنفي الحكومة التركية تقارير عن محاولة الاختطاف، لكن مدعين أصدروا في يونيو الماضي مذكرات اعتقال بحق اثنين من الدبلوماسيين الأتراك بزعم تورطهما في الحادث. وتسببت هذه الأحداث في أضرار كبيرة لمؤيدي غولن وعائلاتهم في مختلف أنحاء أوروبا مثلما يتضح في مثال من إيطاليا. فهناك طفلان ولدا لعائلتين من مؤيدي غولن بعد محاولة الانقلاب بلا أوراق هوية بعد أن رفضت القنصليات التركية في إيطاليا منحهما جوازات سفر.

12