لا رقيب على انفراد السلطة بإدارة أزمة كورونا في الجزائر

حل البرلمان يُفقد الأحزاب السياسية القدرة على المبادرة، فيما تطغى الحسابات السياسية على التعامل مع الأزمة.
الثلاثاء 2020/03/31
سقف الانتظارات عال

غابت الأحزاب السياسية كما المنظمات على أزمة تفشي وباء كورنا في الجزائر، ما يطرح تساؤلات بشأن مدى استعداد هذه الأطراف إلى مد يدّ العون للسلطة والتعامل معها زمن الأزمات. ففيما يذهب مراقبون إلى أن حل البرلمان بغرفتيه أفقد الأحزاب السياسية القدرة على المبادرة يرى آخرون أن الحسابات السياسية تطغى على التعامل مع الأزمة.

الجزائر – دفع حل البرلمان الجزائري بغرفتيه، الأحزاب السياسية في الجزائر إلى الهامش لتقود السلطة منفردة إدارة الأزمة الصحية التي تعيشها البلاد على وقع تفشي فايروس كورونا، ما يجنبها المساءلة وحتى المحاسبة.

ورغم خطورة الأزمة التي تتخبط فيها البلاد جرّاء تفشي الوباء، إلا أن حضور الطبقة السياسية في المشهد، يبقى دون انتظارات الرأي العام، حيث تسجل لحد الآن تواجدا محتشما في الميدان إن لم يكن منعدما تماما، واكتفى أبرزها بإصدار بيانات مقتضبة لا تقدّم ولا تؤخرا في الوضع شيئا.

وانفردت السلطة بتسيير أطوار الأزمة الصحية، وسط جدل حول إخلالات كبيرة، يمكن أن تكون سببا في استشراء خطير للوباء خلال الأسابيع القادمة، بسبب استمرار مظاهر التكدّس الاجتماعي، خاصة تلك المتصلة بالحصول على الإمداد ببعض المواد الأساسية.

وباستثناء تحرك بعض الفعاليات الأهلية والجمعيات المدنية، بُغية المساهمة في إسعاف ومدّ يد العون للمتضررين، خاصة في المناطق الواقعة تحت الحجر الصحي الشامل، كمحافظة البليدة، إلا أن أفراد الطبقة السياسية والحزبية والبرلمان يبقون أكبر الغائبين عن المشهد، رغم حاجة البلاد إلى تضافر جميع الجهود للتكفل بالوضع السائد.

وما عدا بعض المبادرات الفردية لنواب برلمانيين وناشطين في المجتمع المدني، فإن أكبر المنظمات والأحزاب من الظاهر أنها قدمت استقالتها مبكرا، خاصة بعد تعليق عمل البرلمان بغرفتيه، لتجد بذلك الحكومة والمؤسسات الرسمية بلا رقيب ولا مساءلة عن الإخلالات المسجلة.

وكما انسحبت القوى السياسية التقليدية المعروفة بولائها للسلطة، فإن الذي بات مثيرا هو الغياب المفاجئ لقوى المعارضة، واكتفائها في أحسن الأحوال بإصدار بيانات مقتضبة، لا تقدم انتقادات أو أفكارا أو بدائل لإدارة الأزمة، وحتى أكبر المؤسسات المدنية في البلاد لم تتحرك إلا تحت اشتعال انتقادات قوية ضدها.

انفراد السلطة بتسيير الأزمة الصحية وسط جدل حول إخلالات كبيرة، يمكن أن يكون سببا في استشراء الوباء خلال الفترة القادمة

واكتفى الهلال الأحمر الجزائري، الذي تأخّر كثيرا في التعاطي مع الأزمة القائمة، بجمع بعض التبرعات والمعونات من أجل توجيهها للمتضررين من قرار الحجر، أو إلى العائلات المعوزة العاجزة عن مواجهة التدابير المستحدثة من قبل الحكومة، على غرار الفئات الاجتماعية المتضررة من الحجر الكلّي والجزئي.

ويبقى بذلك عمل الحكومة والمؤسسات الرسمية بلا حسيب ولا رقيب، في ظل غياب سلطة المجتمع السياسي عن الميدان، ولولا ضغط شبكات التواصل الاجتماعي الكاشف عن الوجه المأساوي للأزمة الصحية، فان الرأي العام يبقى رهينة الخطاب الذي تسوقه السلطة عبر منصاتها الإعلامية.

وأطلق سكان في مدينة البليدة (50 كلم جنوبي العاصمة)، صيحات مدوية لغياب التنسيق بين المؤسسات ومختلف السلط، في ما يتصل بالتموين بالمواد الأساسية والحصول على رخص التنقل الاستثنائية، كما تستمر في مختلف المدن والمحافظات مظاهر المقامرة بصحة السكان، بسبب مركزية توزيع مادة السميد (الدقيق)، وتحولها إلى بؤر محتملة للمرض، نظير آلية استقطاب العشرات والمئات في مكان واحد لتوزيع المادة المذكورة.

ورغم التطمينات التي تقدمها الحكومة مرارا للرأي العام بالتحكم في الوضع ووفرة المواد الأساسية، إلا أن شهادات عيان لمتطوعين، تفيد ببداية ظهور معالم التضرر لدى العائلات المعوزة، وندرة في بعض المواد، فضلا عن ارتفاع لأسعار الكثير منها في الأسواق المحلية.وذكر رئيس الوزراء عبدالعزيز جراد، في أول تحرك ميداني له، وصف بـ”المتأخر جدا”، بأن “بلاده تواجه أزمة صحية، وليست غذائية على خلفية تفشي وباء كورونا المستجد”، في إشارة إلى الانتقادات الشديدة للحكومة جرّاء التذبذب المسجل في التموين بالمواد الأساسية.

وصرّح جراد، خلال زيارته الاثنين، لمستشفى فرانتز فانون، بأن “الحكومة اتخذت كل الإجراءات لضمان التموين الدائم والكافي للأسواق بمختلف المنتجات الزراعية والغذائية”.

من يحاسب السلطة؟
من يحاسب السلطة؟

وتابع ”من الطبيعي في الظرف الذي نعرفه أن يتجه المواطنون لاقتناء كميات أكبر من احتياجاتهم العادية، مثل هذا السلوك يفاجئ تجار الجملة والمنتجين الذين يحتاجون إلى بعض الوقت للتأقلم مع الوضعية، وإن الجزائر في مأمن من أي نقص في المواد الغذائية، إذا ما حشدنا الجهود معا سوف يسهل علينا مواجهة هذه الأزمة الصحية”.

وشدد على أن الدولة “لن تتخلى عن أيّ أسرة جزائرية، مهما كان مكانها، في الجبال أو الصحراء أو القرى بالرغم من الظروف المالية الصعبة”.

وتعتبر مدينة البليدة، البؤرة الأولى لوباء كورونا في الجزائر، حيث تسجل فيها نصف عدد الإصابات والوفيات، التي فاقت الأحد (500 إصابة و30 وفاة)، وهو ما استدعى الحكومة لاتخاذ قرار تطبيق الحجر الصحي الكامل عليها، في حين يطبّق حجرا جزئيا على عشر محافظات أخرى منها العاصمة.

وتؤكد مصادر متطابقة على أن بؤرة البليدة بدأت بقدوم عائلة مهاجرة من فرنسا لحضور عرس عائلي، امتدت خلاله العدوى لتطال العشرات من الحضور ومن السكان، كما يبقى المهاجرون المصدر الأول للحالات المسجلة في مختلف المناطق، بحسب شهادات صحية وإدارية.

4