لا رواية دون عائلة

الأربعاء 2014/10/15

أعتقد جازما أن لا رواية دون تعقيدات عائلية، فمحن الأقارب هي التي تولد الشخصيات والأفكار الروائية الخالدة، مشاكل الإرث والطلاق والمرض والاحتياج والخيانة والثكل والعقوق، إنها التفاصيل التي جعلت بالزاك يكتب “الأب غوريو”، ودوستيوفسكي يكتب “الإخوة كرامازوف”، ففي الروايتين معا إن الجوهري ليس هو السياق الاجتماعي الذي يكسب الأحداث والشخصيات دلالات تاريخية، إنما الأهم هو تلك التفاصيل الدرامية، وكيف تختصر الكنه الإنساني الملتبس.

إذن بين التقليد الروائي وبنية العائلة تلازم رمزي، وجدل في المضامين والقيم، ينطوي على ثراء مغر بالاستكشاف، فكلاهما ينهض على أصول، ويسعى إلى إعلان صور، بقدر ما يُثوي أسرارا وألغازا، فالرواية إظهار لوعي ذوات فردية، في صراعها وتواؤمها مع الآخرين، والعائلة نظام لأواصر الحب والكراهية بين الأقارب، ومواضعة على أسباب العيش والطموح. ومثلما يسعى الكون الروائي إلى اختزال الزمن والشخوص والفضاءات في رحابة ممكنة، تختصر العائلة التوق الاجتماعي وقيمه، وتناقضاته الوجودية. ولما كانت الرواية حكاية بؤس وسعادة، وموت وحياة، فسرعان ما باتت مدارا لمحاكاة القدر العائلي، إنه التلازم الذي جعل “تولستوي” يستهل خالدته “أنا كرنين” بالمقطع الشهير: “تتشابه أسباب السعادة لدى العائلات السعيدة كلها، أما العائلات الشقية فلكل منها شقاؤها الفريد”.

وبصرف النظر عن جدلية التفاعل بين أسرار العائلة والرواية، فقد مثلت تفاصيل: “الولادة” و”المرض” و”الفراق” و”الموت” و”النجاح” و”الإخفاق”، نماذج بنائية جاهزة للعديد من التخاييل الناجحة. كما أن اختلاف الطبائع بين الأب والأم والإخوة والأقارب، وما يتأتى عن تلك المغايرة من مشاعر تمزج بين عواطف السيطرة والتعلق، والتمرّد والحنين، مثل مصدر إلهام تخيلي لا ينضب. ولا شك أن تواتر أعمال من قبيل “يوميات عائلة باسكيي” لجورج ديهاميل، و”عائلة بودنبـروك” لتوماس مان، و”الثلاثية” لنجيب محفوظ”، و”بدايات” لأمين معلوف…، إنما تروي كلها رحلات تكوّن وانهيار قيم ومكاسب وأواصر تلتقي فيما بينها وبين مجال الانتشار والتصادي، مشكلة مساحة استعارية لمناخ عصر وتقاليد مجتمع وثقافة.

دارت بخلدي هذه التفاصيل وأنا أستعيد المصائر الشخصية لعدد كبير من الروائيين ممن انتهوا وحيدين، لا أثر في مآلاتهم لمائدة الطعام الدافئة، لقد تحول ذاك الاختيار التقليدي في عقيدتهم إلى مطحنة للرغائب، وقامع للجنوح والتوق إلى الحرية. أستحضر هنا بالطبع “ألبير كامو” كما أستحضر فيرجينيا وولف التي لم يشكل زواجها البارد حاجزا دون الاكتئاب المهلك، المفضي إلى الانتحار، لكن في المقابل أستحضر تلك الاستكانة الوديعة لـ”ماريو بارغاس يوسا” و”نجيب محفوظ” إلى الحياة المرتّبة الوديعة للأسرة الكلاسيكية، فتتجلى العائلة بمثابة القدر الروائي الوحيد، وجودا وفقدا.


كاتب من المغرب

15